خبز التنور الديري أصالة الماضي وعبق تتمزج به روح الحب والانتماء

ديرالزور – مروان مجيد الشيخ عيسى 

كانت نساء الدير في الماضي تتنافسن من ستوقد نار تنورها أولا؟ فهذا يدل على نشاطها، حيث تتسابق وتتسارع الجارات فيما بينهم في صنع العجين، ويتساعدن بكل صغيرة وكبيرة، وخاصة إذا أصابت إحداهن مناسبة، ولا يكاد يخلو منزل ديري من وجود التنور، أما اليوم فقد أمسى التنور إحدى مفردات التراث التقليدي العريق لأهالي دير الزور

ما زال التنور القديم يقاوم لوحده الاختراعات الحديثة لصناعة الخبز، والتي باتت أكثر سهولة وراحة لصانعي الخبز، سواء التجاري منه الذي يباع بالأسواق، أو الخبز المنزلي. إلا أنَّه في ريف دير الزور لا يزال يتربع على القمة من حيث الجودة والطعم.

ويتميز خبز التنور بحلاوة طعمه وجودته واتساع رغيفه وعشق سكان الريف له لكونه شهيٌّ أكثر من غيره، وهو أمرٌ لا يمكن الاستغناء عنه في ريف دير الزور بالرغم من كثرة الافران وتنوع خبزها إلا إنه يتواجد في كل بيت تقريبا.

هذا ويمتهن بعض سكان الريف صناعة التنور ويشكل مصدر رزق لهم، إذ لا يقتصرون على صناعة تنور الخبز الشهير فقط وبل يصنعون أنواع أخرى من التي تستخدم لشواء اللحوم والدجاج والأسماك أيضاً ولهم زبائن يقصدون هذا النوع من التنور من كل أنحاء المنطقة

فنساء ريف دير الزور تتعلم الخبز على التنور منذ الصغر، وهو روتين في حياة كل بيت تقريباً، تقوم بتعليمه لبناتها كما علمتها والدتها فالمرأة تملك لغة التفاهم بينها، وبين التنور وهو التراث الذي حافظن عليه طويلا”.

وعن مراحل صناعة التنور في البداية يتم اختيار أرضاً مستوية ونظيفة تبنى عليها قاعدة التنور وتكون عبارة عن حلقة واسعة ومتينة وبارتفاع شبر تقريباً، وتترك لتجف تحت أشعة الشمس بضع ساعات، ثم تبنى الحلقات الأخرى على القاعدة تتالياً بحيث يكون قطر كل حلقة أصغر من التي قبلها وبارتفاع شبر لكل حلقة، فتكون حلقاته متدرجة في قطرها حيث تشكل هذه الحلقات مع بعضها التنور.

فتأمل الكثير من النساء الحفاظ على تراثهن من الضياع لكونه يمثل وجود وهوية الإنسان، مؤكدة أن نقل التراث للأجيال مهمة المرأة لأنها تمثل التاريخ والحاضر.

هذا وتخبز المرأة الديرية خبز التنور بيديها بكل إتقان وتفنن، وتضفي عليه مهاراتها وحبها للعمل، المرأة التي لطالما عُرفت بالعطاء وبذل الجهد منذ فجر التاريخ للاستمرار في الحياة وحماية تاريخها من الاندثار.

كما يزاولن أيضاً صناعة تنور الطين الحجري كمصدر دخل للعائلة وهي مهنة ورثهن من جداتهن، ويعتبر تنور الطين الحجري من أهم معالم التراث الشعبي ولا يزال إلى الآن مستخدماً وحاضراً في الكثير من مناطق سوريا.

يتميز الرغيف الفراتي بأنه مصنوع بكل مراحله بالطرق اليدوية فمن زراعته إلى حصاده حتى وصوله إلى المنزل، حيث لا يزال بعض بيوت الريف تطحن الحبوب بواسطة الرحى وتغربله بغربال خاص، ثم تقوم بعجنه وتقطيعه ورقه حتى يصبح رغيفاً قبل أن توضعه في التنور ليصبح رغيفاً.

وهناك نوع من الخبز مختص به أهل الدير يثقب من الوسط ويسمى جعيجة ويذر على وجهها الحوائج وهي مؤلفة من خمسة أنواع يانسون – حبة بركة- كمون- شمرا- شومر وهذه الحوايج لها فؤائد طبية جمة.

كان لخبز التنور هالة روحية تتجسد في تحلق الأطفال حوله مترقبين خروج أول رغيف مستنشقين عبقه تلك الرائحة التي لا تقاوم وكم من عابر سبيل أو خاوي بطن نال نصيبه من الخبز.

التنور في دير الزور يدل على التواصل الاجتماعي، والود والمحبة بين نساء الحي الواحد، حيث اتخذ التنور ولازال صفة اجتماعية، فكان يؤلف بين نسوة القرية حلقة من التواصل اليومي ومجلساً للنساء خاصة عندما يكون الاجتماع على الخبز غروباً حيث يعتبر محطة راحة وتسلية بعد ساعات من العمل الشاق في الزراعة ،وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للأولاد الذين يتصارخون فرحاً عند موعد الخبز فتراهم يتراكضون أمام أمهاتهم نحو التنور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.