لقد نصّب الفراهيدي نفسه محاميا ، يدافع عن اللغة العربي وآدابها من اتهامات الشعوبيين والمغرضين ، الذين قالوا : إن الشعر العربي لا ضابط له ولا أصل
فردّ أحد أبناء العرب قائلا : إن الشعر العربي أصله الطبع ومقياسه الأذن
فقال الأعجمي : ماقولك إذا فسد الطبع واختل مقياس الأذن ، ماذا للشعر عندئذ ؟
يقول الفراهيدي : وجدت الأعجمي مصيبا في قوله ، ومن ذلك اليوم وأنا لا أفتأ أفكر في هذا الأمر .
لذلك لازم الفراهيدي سوق الصفارين ( النحاسين ) يسمع رنّات مطارقهم على النحاس ويميز بينها .
وقد سأل شيخ المغنين في عصره عن قواعد علم الموسيقا ، فأجابه : أنت تقصد أمراً لاجود له ؟
وبسعي حثيث حصر الفراهيدي أصول الأنغام والتواقيع ووضع مقاييس للشعر لأن الشعر حركة وسكون وبهما ينتظم وزن الشعر ويُضبط
ومن طريف ما يذكر في هذا الامر أنه يُدخل رأسه في بئر في داره ويصيح بأعلى صوته مرددا قواعده على مقاطع الشعر التي تظهر واضحة في الصدى الذي تحدثه البئر
وكان للفراهيدي ولدٌ لما رأى والده على هذه الحال بدأ يبكي ويصرخ : جُنَّ أبي جُنّ ابي حتى اجتمع عليه الناس فرأوا من الخليل مارأوا
التفت الى ابنه قائلا :
لو كنتَ تعلمُ ما أقول عذرتني
أو كنت تعلم ماتقولُ عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني
وعلمتُ أنك جاهل فعذرتكا
ولم يقف الخليل عند اختراع هذا الفن بل بادر الى جعله سبيلا لإبداع أنواع من البحور رالشعر لم تعهده العرب فقد امتلك مفتاح الشعر العربي بعروضه.
إعداد: محمد السليمان