من الخنادق إلى الأرصفة: حين خانتك الثورة التي أحببتها قصة الشاعر والمربي مروان مجيد عبدالله… من ساحات البطولة إلى هامش الحياة ……دمشق – BAZNEWS – يوليو 2025

في أحد شوارع دمشق، يقف بائع خضار عاديٌّ في نظر المارّة، لكنه في الحقيقة أحد أعمدة الثورة السورية المنسيين. اسمه مروان مجيد عبدالله، شاعرٌ وأديبٌ وحقوقيٌّ ومربٍّ، كان يومًا من أوائل من قالوا “لا” للنظام الأسدي، وواجه القمع بسلاح الكلمة أولًا، ثم بالسلاح نفسه لاحقًا.

اليوم، وبعد أكثر من عقد على انطلاقة الثورة، يجد مروان نفسه منسيًا، مهمشًا، ومجبرًا على كفاح يومي لتأمين قوت أسرته، عبر بيع الخضار على الرصيف.

ثورة ضحّى لها… وخذلته

بدأ مروان مسيرته الثورية كمعلم ومثقف، قبل أن يواجه الاعتقال والتعذيب وفصله من عمله. لم يتراجع، بل التحق بالعمل الميداني المسلح في صفوف الثوار، وقضى أربعة عشر عامًا في ميادين المواجهة. ومع اقتراب ما سُمي بـ”انتصار الثورة”، كان الأمل يحدوه بأن يعود إلى مدرسته، إلى حياته، إلى مكانه الطبيعي بين الكرامة والحق.

لكن الخذلان كان أقسى من القيد. لم يُنصف. لم يُعاد إلى وظيفته. لم يُمنح حتى شكرًا بسيطًا على نضاله. بل تقدّم المشهد من لم يعرفوا نار المعارك ولا ظلمة الزنازين، بينما تُرك أمثاله يواجهون الحياة وحدهم، محرومين من أبسط الحقوق.

القصيدة: مرآة الوجع

في لحظة يأس، كتب مروان قصيدة بعنوان “فشة خلق”، عبّر فيها عن اختناق الحلم ومرارة الواقع:

“سُجِنتُ لثورةٍ ضد الطغاة…

ومنعتُ العلمَ والتعليمَ حيا

وعند النصرِ لم أرجعْ لعملي…

فأينَ العدلُ ثوارًا أبية؟”

واليوم، يعود بقصيدة جديدة لا تقل وجعًا، يلبس فيها الثورة ثوب الحبيبة التي خانته، ويقول:

متى ستعرف كم قد كنت حالمة
أن تصبحي النجم في ليلي اناجيها
أو تصبح البدر في ظلماء دنيتنا
أو تصبح الغيم لأزهاري فتسقيها
ماهزك البعد في أرض تعيش بها
وتترك الريح في أرضي تذريها
لوكنت تعلم أني منذ هجرتكم
أعاند البؤس والآمال أحييها
إن مات حبي في قلب فوا اسفي
نقشت حبك على الدنيا ومافيها
رسمت وجهك على جدران مدرستي
بل صار اسمك أشعارا أغنيها
قد كنت عندي أمام الكون مفخرتي
فأنت حبي و أفراحي وناديها
جعلت حزني في قلبي أكتمه
هل كنت تعلم أني من يداريها
ارحل بعيدا فإني الآن مدركة
من خان حبي دموعي لايساويها
صأصبر اليوم علّ الله يرحمني
ويكتب الخير ومأساتي يداويها

القصيدة تختزل كل شيء: الحلم، الخيانة، التحول من النشوة إلى الانكسار. لكنها تنتهي بدعاء، فيه صبرٌ نقيّ يليق بمناضل لم يتاجر يومًا بقضيته:

“سأصبر اليوم علّ الله يرحمني

ويكتب الخير ومأساتي يداويها”

بائع خضار… وقائد ثورة

قصة مروان ليست فريدة، بل هي تجسيد لواقع آلاف الثوار الحقيقيين. من عاشوا الثورة، لا في مكاتب الفنادق، بل في شوارعها وخنادقها. من فقدوا بيوتهم، وظائفهم، أبنائهم، ليجدوا أن غيرهم جنى الثمار.

وما تزال كلماته في قصيدة “فشة خلق” ترنّ كصفعة للواقع:

“فعند الصبح بياع لخضرة

وعند الفجر عتالا شقيا

ففخر المرء في تدبير عيش

بعفة عامل يهوى التقيّا”

دعوة للإنصاف… قبل أن يُطوى التاريخ

مروان مجيد عبدالله لا يطلب صدقة، ولا منصبًا، ولا وسامًا. بل يطالب بالعدل، فقط. يطالب أن يُرى من بقي على العهد، لا من باعه على موائد المصالح.

قضيته ليست فردية، بل قضية ثورة بدأت شعبية، ثم سُرقت، ثم نُسيت.

ويبقى سؤاله مفتوحًا أمام كل ضمير حرّ:

“فأين العدل، يا ثوار الأمس؟”

إعداد: فريق BAZNEWS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.