من احداث 1954 إلى أزمة السويداء اليوم: لماذا تستعاد قصة الشيشكلي وكيف غدر بعض الدروز بالتعاون مع الخارج بالدولة السورية BAZNEWS/ سوريا

 

تشهد الساحة السورية اليوم سجالًا متزايدًا حول أحداث السويداء والدور السياسي الذي يلعبه الشيخ حكمت الهجري، في ظل مقارنات تاريخية يعيد فيها البعض استحضار تجربة الرئيس أديب الشيشكلي مطلع الخمسينيات، حين دخلت سوريا مرحلة من الاضطرابات انتهت بسقوط واحد من أبرز مشاريع بناء الدولة المركزية الحديثة في تاريخ البلاد.

ورغم اختلاف الظروف والسياقات، إلا أن عودة هذا الملف التاريخي إلى الواجهة تعكس قناعة لدى شريحة من السوريين بأن ما يجري في السويداء اليوم يشبه ـ في نظرهم ـ المواجهة التي خاضها الشيشكلي مع بعض الزعامات المحلية في جبل العرب قبل سبعين عامًا. لكن ما بين التاريخ والواقع، لا بد من التمييز بين الحقائق المثبتة والتحليلات السياسية التي تتباين بشأنها الآراء.

الشيشكلي: مشروع دولة اصطدم بزعامات محلية

بعد سلسلة من الانقلابات التي هزّت سوريا بين عامي 1949 و1951، وصل أديب الشيشكلي إلى السلطة ليطرح مشروعًا واضحًا: دولة مركزية قوية، جيش موحّد تحت السلطة المدنية، والحد من نفوذ الإقطاعيات المحلية والطائفية التي كانت تتمتع بسلطات واسعة.

اعتمد الشيشكلي في سياسته على دمج جميع المكونات السورية في مؤسسات الدولة، وعيّن شخصيات من جبل العرب في مواقع حساسة داخل الجيش والإدارة بهدف تخفيف الاحتقان وبناء علاقة شراكة وطنية.

غير أن هذا المسار اصطدم بنفوذ بعض القيادات المحلية التي رأت أن مشروع الدولة المركزية يهدّد مصالحها التقليدية.

أحداث السويداء 1954: مواجهة سياسية تحولت إلى اضطراب أمني

خلال 1953-1954، تصاعد التوتر بين الحكومة ومجموعات مسلحة في جبل العرب. وتشير المصادر التاريخية الأكاديمية إلى أن بعض المعارضين للشيشكلي نسّقوا مع أحزاب سياسية في دمشق ومع أطراف خارجية في المنطقة، ما ساهم في توسيع الاحتجاجات ضد السلطة المركزية.

ومع تزايد الضغوط، وفي ظل تحذيرات من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، قرر الشيشكلي الاستقالة في 25 شباط/فبراير 1954، قائلًا عبارته الشهيرة:

“لست مستعدًا لأن أريق دماء السوريين من أجل منصب.”

غادر بعدها إلى لبنان ثم إلى البرازيل، حيث اغتيل في ساو باولو عام 1964 على يد نواف غزالي، في حادثة وثّقتها الصحافة البرازيلية آنذاك.

لماذا يعود اسم الشيشكلي إلى الواجهة اليوم؟

استحضار هذا التاريخ اليوم يأتي في سياق الجدل الدائر حول دور الشيخ حكمت الهجري، وما إذا كانت مواقفه تمثّل تحركًا شعبيًا محليًا في السويداء أو محاولة لصنع نفوذ سياسي جديد خارج إطار الدولة.

تشابهات يطرحها بعض المراقبين (تحليل سياسي – غير مثبت بمصادر مستقلة):

  • الحديث عن نفوذ خارجي في الجنوب السوري، وهو ادعاء لم تؤكده أي جهة دولية أو أممية.
  • الاتهامات المتعلقة بـ التعاون مع جهات مسلحة أخرى داخل سوريا، وهي أيضًا غير مدعومة بوثائق رسمية منشورة.
  • تخوّف من استغلال الهوية الدينية في التوترات الداخلية، وهو تحذير يتكرر في معظم التحليلات المتعلقة بالسويداء منذ سنوات.

هذه الاتهامات تُطرح في إطار التحليل السياسي المحلي وليست وقائع مثبتة، ما يستدعي التعامل معها بحذر، خصوصًا في ظل غياب مصادر محايدة يمكن الاستناد إليها.

بين الأمس واليوم: هل يعيد التاريخ نفسه؟

ما يربط كثيرًا من السوريين بين أحداث الأمس واليوم ليس العناصر السياسية فقط، بل الشعور المشترك بأن:

  • أي فراغ في السلطة المركزية يفتح الباب أمام قوى محلية لتوسيع نفوذها؛
  • أي اضطراب في الجبل سرعان ما ينعكس على استقرار الجنوب؛
  • وأي استثمار للطائفة في الصراع السياسي يؤدي إلى تعقيد الأزمة بدل حلّها.

هذا التخوّف هو ما يدفع البعض للقول إن سوريا لا تتحمل تكرار تجربة 1954، وأن كل الأطراف مطالَبة بالتعامل مع الجنوب السوري بوعي سياسي يجنّب البلاد سيناريوهات الانقسام.

خاتمة

التاريخ السوري غني بالدروس التي لا تزال تحضر بقوة في النقاشات السياسية المعاصرة.

واقعة الشيشكلي عام 1954 مثالٌ على كيف يمكن للصراعات الداخلية، حين تتقاطع مع نفوذ خارجي وصراع مصالح محلية، أن تهدد مشروع الدولة نفسها.

أما ما يجري اليوم في السويداء، فيحتاج إلى قراءة متأنية ومسؤولة، لأن استعادة أحداث الماضي دون تمحيص قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أخطائها.

المصادر الموثوقة المعتمدة في الجزء التاريخي

  1. Patrick Seale – The Struggle for Syria: A Study of Post-War Arab Politics 1945–1958
    (أحد أهم المراجع الأكاديمية حول مرحلة الانقلابات السورية وصراع القوى)
  2. Philip Khoury – Syria and the French Mandate
    (دراسة موسعة عن البُنى الاجتماعية والسياسية التي تشكّلت عليها المعارضة المحلية)
  3. M. Kerr – The Arab Cold War
    (يتناول دور القوى الإقليمية وتدخلاتها في سوريا خلال الخمسينيات)
  4. Abraham Marcus – The Middle East on the Eve of Modernity
    (مرجع يساعد على تفسير علاقة الدولة بالمجتمعات المحلية في سوريا)
  5. أرشيف الصحافة البرازيلية – Folha de S.Paulo و O Estado de S. Paulo
    (توثيق خبر اغتيال أديب الشيشكلي في ساو باولو عام 1964)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.