منذ أن أعلن مناف طلاس انشقاقه عن نظام بشار الأسد عام 2012، حاول تقديم نفسه كوجه “مقبول” للمعارضة السورية، لكنه في الحقيقة لم يكن يومًا جزءًا من الثورة، بل كان واحدًا من فلول النظام الذي شارك في قمع السوريين لعقود عبر موقعه في الحرس الجمهوري، ومن خلال إرث والده مصطفى طلاس، وزير الدفاع الذي ارتبط اسمه بأبشع المجازر في تاريخ سوريا الحديث.
واجهة جديدة للنظام القديم
ما يطرحه مناف طلاس اليوم ليس سوى محاولة يائسة لإعادة إنتاج النظام بوجه “سنّي” مدعوم من فرنسا وبعض القوى الدولية، بهدف الحفاظ على بنية الاستبداد دون أي تغيير جذري. الثورة السورية لم تخرج لتبديل الأشخاص، بل لإسقاط منظومة الطغيان. وطلاس لا يمثل سوى الواجهة التي يحاول النظام عبرها أن يرمّم نفسه.
الصمت مقابل الدم
منذ انشقاقه قبل 14 عامًا، لم يقم مناف طلاس بأي فعل حقيقي دفاعًا عن الشعب السوري. لم يقُد فصيلًا، لم ينظّم مقاومة، لم يدعم الجائعين والمهجّرين، ولم يُقدم خطة عملية للانتقال السياسي. بينما كان الشعب يُذبح في حلب وحمص والغوطة وحماة، كان مناف طلاس يتنقّل بين العواصم الأوروبية، يتمتع بما نهبه والده من مقدرات الشعب، ويعيش في أمان فرنسا، في وقت كان السوريون يموتون جوعًا في المخيمات، ويغرقون في البحار بحثًا عن حياة كريمة.
إرث والده الدموي
لا يمكن الحديث عن مناف طلاس دون التوقف عند تاريخ والده، مصطفى طلاس، الذي كان وزيرًا للدفاع في سوريا لأكثر من 34 عامًا (1972–2006). خلال هذه الفترة، ارتبط اسمه بمجازر دامية وجرائم كبرى: اقتحام مسجد خالد بن الوليد بالدبابات عام 1964، المشاركة في الانقلاب على الرئيس أمين الحافظ عام 1966، قيادة محاكمة وإعدام الضابط سليم حاطوم عام 1967، والموافقة على إعدام مئات المعتقلين أسبوعيًا. كما شارك الجيش السوري في مجازر تدمر وحماة عام 1980 و1982، ومجزرة تل الزعتر في لبنان عام 1976، وحصار بيروت مع إسرائيل عام 1982، فضلًا عن حرب المخيمات ضد الفلسطينيين عام 1988. كل ذلك جعله أحد أكثر الشخصيات سوءًا في تاريخ سوريا الحديث، وهو ما يشكّل عبئًا لا ينفصل عن ابنه مناف.
مسؤولية لا تسقط بالتقادم
قد يحاول مناف طلاس التنصّل من إرث والده، لكن الحقيقة أن هذا الإرث يلاحقه. مصطفى طلاس كان وزيرًا للدفاع لأكثر من ثلاثة عقود، شارك خلالها في مجازر تدمر وحماة وتل الزعتر، وكان شاهد زور على كل الجرائم التي ارتكبها حافظ وبشار الأسد. مناف نفسه كان في صميم الحرس الجمهوري، الجهاز الأكثر دموية في حماية النظام. هذا يجعله مسؤولًا سياسيًا وأخلاقيًا، حتى لو لم يكن بيده قرار مباشر في ارتكاب تلك الجرائم. وجوده في موقع القوة والصمت طيلة سنوات القتل يكفي ليجعله شريكًا.
المحاكمة لا المناصب
بدل أن يُقدّم نفسه كزعيم محتمل أو شريك في “مرحلة انتقالية”، فإن الموقع الطبيعي لمناف طلاس يجب أن يكون أمام محكمة عادلة تحاكم كل من شارك في صناعة الاستبداد وتغطية جرائمه. الثورة السورية لا تحتاج إلى فلول النظام، ولا إلى وجوه تُجمّل الاستبداد، بل إلى قيادة وطنية حقيقية منبثقة من تضحيات الشعب، لا من تاريخه الدموي.
مناف طلاس ليس معارضًا، بل جزء من المشكلة. يمثل امتدادًا لذهنية النظام الذي دمّر سوريا وقتل شعبها. وهو اليوم يعيش في فرنسا مستفيدًا من ثروات منهوبة، بينما الملايين من أبناء شعبه يواجهون الجوع والموت في المخيمات أو على قوارب الهجرة. لذلك، فإن أي محاولة لتسويقه كزعيم أو قائد للمرحلة القادمة ليست سوى إهانة لدماء السوريين، والعدالة الحقيقية تقتضي أن يُحاكم على ما شارك فيه، لا أن يُكرَّم بمناصب سياسية.
