معاناة التعليم في الجزيرة السورية بين زمنين من تهميش النظام السابق إلى فرض مناهج قسد بقلم: مروان مجيد عبدالله – إعداد للنشر: Baz News

يُعدّ التعليم في الجزيرة السورية مرآةً للتحولات السياسية والاجتماعية التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية. فبين مرحلة حكم النظام السابق وما تبعها من سيطرة قوى الأمر الواقع، ظلّ الطلاب والمعلمون يدفعون أثمانًا باهظة من مستقبلهم وحقوقهم الأساسية.

التعليم في عهد النظام السابق: تقديس الفرد وتهميش المعلم

يرى الأستاذ والمربي مروان مجيد عبدالله أنّ النظام السوري السابق لم يتعامل مع التعليم باعتباره مشروعًا وطنيًا لبناء الأجيال، بل حوّله إلى أداة دعائية لتقديس “القائد الخالد”. فقد نشأت منظمات مثل طلائع البعث وشبيبة الثورة واتحاد الطلبة لتعزيز الولاء لشخص الحاكم، على حساب تعزيز التفكير العلمي والقيم التربوية.

أمّا المناهج، فكانت تعاني من التسييس والإفراغ من المحتوى الحقيقي، إذ جرى تهميش مادة التربية الإسلامية بجعلها غير مؤثرة في القبول الجامعي، فيما تسيّد الفساد الإداري المشهد التعليمي وصولاً إلى تعيين وزير للتربية من خارج الحقل التربوي.

في الوقت نفسه، عاش المعلم أوضاعًا مأساوية بسبب الرواتب المتدنية، ما أجبره على العمل بعد الدوام في مهن شاقة لتأمين لقمة العيش، فاهتزّت مكانته في المجتمع، وتعرّض للاستهزاء بدل الاحترام.

الثورة السورية: استهداف المعلمين وإصرار الطلاب

مع انطلاق الثورة السورية، كان المعلمون من أوائل المستهدفين من قبل أجهزة الأمن. قُتل بعضهم، واعتُقل آخرون، فيما اضطر كثيرون إلى الهجرة والنزوح إلى المخيمات.

ورغم هذه الظروف القاسية، لم ينطفئ نور التعليم بالكامل. فقد أصرّ طلاب صغار على متابعة دراستهم في مدارس مهدّمة أو خيم متواضعة، حاملين دفاترهم وأقلامهم كرمز للأمل. كما ظهرت مبادرات لإعادة تأهيل المدارس وتحديث المناهج في بعض المناطق، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

واقع التعليم في مناطق قسد: فرض المناهج وطمس الهوية

يرى عبدالله أن الوضع الحالي في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أكثر سوءًا، حيث جرى منع تدريس المنهاج السوري الرسمي، وفرض مناهج خاصة تتوافق مع توجهات الجهة المسيطرة.

شمل القرار المدارس الحكومية والخاصة، وحتى المدارس الكنسية التي كانت تعتمد المنهاج الرسمي. ويعتبر عبدالله أنّ هذه السياسات تمثّل محاولة واضحة لـ”طمس الهوية التعليمية والوطنية”، في وقتٍ يواصل فيه أبناء قيادات قسد تعليمهم في مدارس دمشق وجامعاتها المعترف بها عالميًا.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت شعارات مكتوبة على جدران المدارس في الحسكة تُجاهر بالكفر وتتبنّى أفكارًا غريبة عن المجتمع المحلي، وهو ما اعتبره المربي “مصيبة كبرى” تنذر بانهيار القيم التربوية، في ظل صمت حكومي وصمت عشائري يزيد من حجم الأزمة.

بين زمنين… معاناة مستمرة

من سياسات التجهيل والتبعية في عهد النظام السابق، إلى فرض مناهج بديلة في زمن قسد، يبقى التعليم في الجزيرة السورية ضحية الصراعات السياسية والإيديولوجية.

لكن، وبرغم الظلام المحيط، يؤكد عبدالله أنّ شموع الأمل لم تنطفئ، فالمعلمون والطلاب ما زالوا يقاومون، وما زالوا يثبتون أنّ الإصرار على العلم هو الطريق الوحيد نحو مستقبل أفضل.

إنّ ما يواجهه التعليم في الجزيرة السورية ليس مجرد أزمة مناهج أو إدارات فاسدة، بل هو انعكاس مباشر لتهميشٍ متعمّد وصراعات سياسية تتخذ من المدارس ساحة لتصفية الحسابات. وفي الوقت الذي يحتاج فيه أطفال المنطقة إلى تعليم حديث، وطني، بعيد عن الأدلجة، نجد أنّ الأجيال الجديدة تُزج في تجارب تربوية مشوهة.

إنّ مستقبل الجزيرة وأبنائها مرهون بقدرة المجتمع على حماية التعليم من التسييس، والضغط من أجل مناهج وطنية موحدة تحفظ الهوية وتفتح آفاق المعرفة، بعيدًا عن شعارات السلطة أو إملاءات القوى المسيطرة. فالتعليم هو المعركة الحقيقية من أجل مستقبلٍ أفضل، وأي استهداف له هو استهدافٌ لمستقبل سوريا كلها.

نماذج من منهاج قسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.