تشير المعطيات إلى أن مليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بدعم من أطراف إقليمية ودولية، تعمل منذ أشهر على تنفيذ خطة لتقسيم سوريا، مستفيدة من التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد. هذا المشروع، الذي يبدو مدعوماً بتخطيط طويل الأمد، يعود جذوره إلى فترة حكم حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي، حين دعم الأكراد عبر استضافة عبد الله أوجلان وتدريب عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK)، إلى جانب تقديم الدعم لعلويي تركيا من خلال معراج أورال، بهدف إنشاء كيانات موالية كخطة احتياطية لحماية نظامه.
التواطؤ الإقليمي والدولي
يبرز في هذا السياق دور إسرائيل كطرف داعم ضمني للاستقرار الذي مثله نظام حافظ الأسد. وقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى أن سقوط نظام بشار الأسد شكّل ضربة لمصالح إسرائيل، مما دفعها، بالتعاون مع الولايات المتحدة، إلى تفعيل الخطة البديلة المتمثلة في تعزيز نفوذ قسد لضمان استمرار مشروع التقسيم.
الدعم الأمريكي والإسرائيلي لقسد
تحظى قسد بدعم عسكري ولوجستي كبير من الولايات المتحدة وإسرائيل، يشمل التسليح والتدريب، بهدف ليس فقط تفكيك سوريا، بل أيضاً تمهيد الأرضية لتقسيم تركيا إلى كيانات عرقية ومذهبية متمايزة. وفي مواجهة هذا التحدي، تسعى تركيا لإفشال المخطط عبر تعزيز تحالفاتها الإقليمية، لا سيما مع روسيا والحكومة السورية الجديدة، رغم الصعوبات التي تعترض هذه الجهود.
استغلال النزعات القومية في تركيا
امتدت تحركات قسد إلى داخل تركيا، حيث تسعى إلى تأجيج النزعة القومية التركية عبر استغلال قضية اللاجئين السوريين لتعميق الانقسامات الاجتماعية، مما قد يمهد لقبول فكرة إقامة إقليم كردي داخل الأراضي التركية. كما تدعم قسد معراج أورال في تحريض العلويين الأتراك للمطالبة بكيان مستقل، في خطوة تكمل أهدافها التقسيمية.
قسد كأداة تنفيذ داخل سوريا
في الداخل السوري، تعمل قسد كغرفة عمليات لتنفيذ المخطط عبر استقطاب ضباط سابقين من النظام الأمني، الذين يتمتعون بحرية الحركة بين العراق ومناطق سيطرتها. وتدعم هذه الجهود شبكة أنفاق حدودية تربط سوريا بالعراق، تسهل تنقل قيادات حزب العمال الكردستاني وضباط النظام السابقين.
اقرأ ايضاً
لقاء بين قائد ميليشيا “قسد” وفلول النظام السوري في استمرارٍ للتنسيق المشترك
تعزيز المليشيات الأقلية بعائدات النفط
من أبرز خطوات قسد تشكيل مليشيا علوية تضم أكثر من 3000 مقاتل، ظهرت في جبهات سد تشرين، إلى جانب تقديم الدعم المالي لمجموعات درزية في الجنوب لتغذية النزعات الانفصالية. يتم تمويل هذه التحركات من عائدات النفط السوري، التي تباع للحكومة الجديدة في دمشق.
التنسيق العلني مع الدروز
وثقت تقارير وتسجيلات مصورة تحركات قسد لدعم الفصائل الدرزية عبر زيارات مكثفة وتنسيق علني، مستغلة انشغال الحكومة الجديدة بترسيخ سلطتها بعد سقوط النظام السابق. وأعلنت قسد بشكل صريح عن سعيها للحصول على دعم دولي، بما في ذلك من إسرائيل، لإنجاح مشروعها.
ضعف استجابة الحكومة الجديدة
في ظل هذه التطورات، تبدو الحكومة السورية الجديدة منشغلة بتعزيز شرعيتها عبر إقصاء الشخصيات الثورية والتقرب من الأقليات، دون مواجهة حاسمة لتهديد قسد. وحتى في حال دمج قسد ضمن أجهزتها، فإن ولاء الأخيرة سيظل منحازاً لمصالح الأقليات، مما يعزز قدرتها على تغيير النظام السياسي في سوريا.
المجلس العسكري الدرزي: واقع ملموس
تحولت فكرة انفصال السويداء إلى واقع مع إنشاء المجلس العسكري الدرزي، المدعوم مادياً من قسد التي تقدم رواتب شهرية لمقاتليه (200 دولار لكل فرد)، ممولة من عائدات النفط. وتتعامل الحكومة الجديدة مع قسد بالحوار، متجاهلة مخاطرها على الوحدة الوطنية.
اقرأ أيضا:
غرفة العمليات المشتركة ترفض تشكيل مجلس عسكري في السويداء …….السويداء – 23 فبراير 2025
وجود قيادات قسد في دمشق
تشير معلومات إلى تواجد قيادات من قسد في دمشق، حيث يتم نقل ضباط النظام السابقين إلى مناطقها عبر سيارات إسعاف، لتعزيز فصيل عسكري علوي ناشئ يضم عناصر من الحرس الجمهوري والاستخبارات والفرقة الرابعة.
إعادة تأهيل آبار النفط
استجابت قسد لطلب الحكومة الجديدة بإعادة تشغيل آبار نفطية كانت متوقفة، مما يثير تساؤلات حول استمرار التعاون بين الطرفين، وهو ما قد يمنح قسد مساحة أكبر لتنفيذ خططها.
خاتمة:
ضرورة المواجهة الاستراتيجية
يبقى القضاء على نفوذ قسد الركيزة الأساسية لاستعادة وحدة سوريا. فهذه المليشيا تُستخدم كأداة لتحقيق مخططات تقسيمية تهدد بتحويل سوريا إلى كيانات متصارعة على غرار تجربة السودان. ويتطلب إفشال هذا المشروع تحالفاً استراتيجياً بين القوى المناهضة للتقسيم، بقيادة تركيا وروسيا، لضمان الحفاظ على سيادة سوريا واستقرارها قبل أن تصبح الخسائر لا رجعة فيها.