أعداد وتحرير : مروان مجيد الشيخ عيسى
لم تكن الحسكة متأخرة عن الحراك الثوري المنطلق في عدد من المدن في آذار 2011
بل استطيع ان أؤكد أن ثلة من ثوار الحسكة في نفس يوم هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي اجتمعوا في بيت المرحوم مدلوس المفي في حي غويران بالحسكة وبدأوا بطباعة المنشورات والأقراص الليزرية التي تحرض الشعب على الثورة على النظام السوري وقاموا بنشرها في شوارع الحسكة والمدارس والدوائر الحكومية والأسواق فقام النظام بفرض المناوبات في المدارس والدوائر وكثف من دوريات أجهزته الأمنية ليلا ونذكر من هؤلاء الثوار المرحوم رائد المنفي ونزار المنفي ومحمد المنفي وعبدالعزيز المنفي ووالدتهم المربية أم رائد حفظها الله ومحمد بربندي وخليل بدران وقعقاع الزبيدي وغسان القحف وايمن الحسين والمرحوم أحمد الحريث والمرحوم محمود النشمي والمرحوم عادل حمدان والمرحوم مروان الدرك الحريث والمرحوم بسام الفياض والأخ معاذ جمال الحاج يوسف وفاضل محمد السليم ومروان مجيد عبدالله وقحطان مجيد عبدالله. وبعد اسبوع مما حصل في درعا خرج المتظاهرون وتمركز في حي غويران ويرجع ضعف مشاركة الأحياء الأخرى في الحراك الاحتجاجي والمظاهرات إلى عدة أسباب حيث يعتبر التنوع الديموغرافي فيها سببًا كبيرًا من الأسباب التي جعلت أحياء الحسكة الأخرى بمنأى عن الالتحاق بركب الثورة بالزخم المأمول.
فحي غويران الشعبي ذا الصبغة العربية المطلقى كان الحاضنة الاجتماعية للثورة وجرت فيه مظاهرات كان ينضم إليها مؤيدو الثورة في الحسكة الذين لا يستطيعون الخروج باحتجاجات في أحيائهم بينما بقيت الأحياء الأخرى هادئة.
وحي غويران كان من أوائل الأحياء التي انتفضت ضد الظلم والطغيان منذ انطلاق الثورة السورية فكان صوت الحق الذي لم يخفت وقلعة الصمود التي لم تهتز رغم شراسة القمع منذ الأيام الأولى خرج رجاله الأحرار يهتفون للحرية غير آبهين برصاص النظام ولا ببطشه فكانوا شعلة الثورة في الحسكة وأول من واجه آلة القمع بصدور عارية وإيمان لا ينكسر.
فلم يكن حي غويران مجرد بقعة جغرافية بل كان ميدانًا للفداء حيث سطّر أبناؤه أروع ملاحم البطولة في وجه نظام الأسد وقوات قسد التي حاولت إخضاعه فيما بعد لكنه ظل عصيًّا على الانكسار فعندما حوصر رفض أبناؤه الرضوخ فكانوا درعًا للمستضعفين ومأوى للثوار وسندًا لمن لجأ إليهم من المنشقين .
ورغم كل المحاولات لإخماد جذوته بقي حي غويران رمزًا للمقاومة والإباء يذكره كل من عاش تلك الأيام الخالدة حيث كانت دماء الشهداء هي الثمن الذي دفعه أبناؤه ليبقى صوته عاليًا ورايته خفاقة وذكراه محفورة في وجدان كل من يؤمن بالحرية والكرامة.
وإذا أردنا الحديث عن غويران فهو أحد أكبر الاحياء في مدينة الحسكة ويشكل الجزء الجنوب الشرقي من المدينة يحده من الغرب حي النشوة ويقسمه الطريق العام الذي يأتيه من جهة جسر المحافظة باتجاه محافظة دير الزور إلى قمسين هما حي غويران شرقي وحي غويران غربي.
يحتوي الحي على العديد من الأماكن الهامة في الحسكة ككلية الاقتصاد وكلية الهندسة المدنية التابعة لجامعة الفرات ومركز للنفط والغاز إضافة إلى إدارة السجل المدني وإدارة المرور العامة ومديرية المصرف التجاري السوري والستاد الرياضي الكبير والمدينة الرياضية وبعد أن شهد حراكاً شعبياً واسعاً بداية الثورة السورية عوقب على ذلك بمحاصرته وقصفه عدة مرات من قبل النظام السوري والميليشيات الموالية له حيث سيطر عليه النظام مرة أخرى في شهر ايلول من عام 2014 بعد حصار طويل وصراع مسلح مع قوات المعارضة واستخدم الطيران الحربي من قبل قوات النظام ثم تم السيطرة على الحي لاحقا من قبل قوات قسد بعد اشتباكات بينهما وبسبب الصراعات نزح الكثير من سكان الحي لاسيما من فئة الشباب ولجأوا إلى تركيا والدول الأوروبية.
أما معتقلي هذا الحي فقد زاد عددهم على ألف .فعندما دخلت قوات النظام إلى الحي بعد مفاوظات مع منظمة الصليب الأحمر التي تعهدت بأن يخرج الثوار من الحي وعوائلهم ولن يتم التعرض لأهل غويران.لكن غدر النظام بالأهالي وبدأ حملة اعتقالات بعد يوم من التفاق مع تلك المنظمة التي صمتت على ماتفعله أجهزة النظام الأمنية وخصوصا أمن الدولة.وبعد سنوات بدأ النظام يسلّم نظام قوائم بأسماء معتقلين قتلوا تحت التعذيب في سجونه ومعتقلاته إلى دائرة النفوس في محافظة الحسكة.
زاد العدد على أكثر من 700 اسم لمعتقلين قتلوا تحت التعذيب في سجون نظام الأسد وصلت إلى دائرة النفوس كما طلبت من ذوي القتلى مراجعة دائرة النفوس للاطلاع على الأسماء.
فقدعمل نظام الأسد عبر مؤسساته وأجهزته الأمنية على الاتصال بذوي المعتقلين وإبلاغهم أن أقرباءهم ماتوا إثر أزمة قلبية أو نوبة ربو أصابتهم في المعتقلات وكان نظام الأسد يجبر أهالي المعتقلين على التبصيم في دوائر النفوس على شهادات وفاة لأبنائهم دون أن يسمح لهم بمعرفة أماكن دفن المتوفين أو تسلّم رفاتهم.
وبالعموم عانت الحسكة كغيرها من ويلات الحرب فالأوضاع فيها بشكل عام مشابهة لأوضاع السوريين في الداخل.
وفي عام 2015 حاول تنظيم داعش الاستيلاء على مدينة الحسكة لتوسيع منطقته التي تشمل جزءًا كبيرًا من المنطقة الشرقية ونجح التنظيم حينها بالدخول إلى بعض أحياء المدينة كحي غويران والنشوة والعزيزية مما استدعى القوات العسكرية الموجودة هناك لخوض معركة دفاعية لرد الهجوم العنيف عليها وكانت القوات المدافعة منقسمة بين قوات النظام السوري وقسد وبعد الدفاع تم محاصرة التنظيم والقضاء على وجوده لترجع السيطرة كما كانت ورسم حدود واتفاقيات ضمنية بين النظام وقسد لوجود كل طرف والمناطق التي يحكمها.
وبعد تلك التفاقات كانت تحدث مناوشات بين قوات النظام وقسد في محافظة الحسكة وما يتبعها من مدن وقرى لم تهدأ بدورها خاصة أن تلك المنطقة الغنية بالنفط تخضع لاستقطابات دولية عالية المستوى، فالحسكة التي تقع على الحدود مع تركيا والعراق منطقة مهمة جدًا لأمريكا وروسيا وتركيا وكل طرف من هؤلاء يحاول الدفع بتوابعه لبسط السيطرة أكثر فأكثر.
فقد دخل المدينة ضمن دائرة صراع المشاريع الروسية الأمريكية، فالروس يدعمون النظام والأمريكان يدعمون قسد كما توجد أهمية اقتصادية للمدينة كونها تضم عدة حقول نفط ومجموعة من حقول الغاز وتتصل بالرقة ودير الزور جغرافيًا ويمكن القول بوجود صراع جيوسياسي بين النظام وتركيا والولايات المتحدة وروسيا.
وفي بداية عام 2021 شهدت الحسكة تصعيدًا بين قسد وقوات النظام السوري وتعود بداية الخلاف إلى التصعيد التركي وإرسال تعزيزات عسكرية إلى حدود مناطق شرق الفرات فكانت أنقرة تتجهز للسيطرة على منطقة عين عيسى وتل تمر ما استدعى استنجاد قسد بالقوات الروسية وقوات النظام للحفاظ على المنطقة وطلبت قسد من النظام أن تنتشر قواته في محيط مدينة عين عيسى، عسكريًا فقط دون التدخل في الشؤون المدنية.
وقد سعى النظام في مفاوضاته أن تتخلى قسد عن عين عيسى لصالحه لإدارتها بشكل كامل إلا أن قسد رفضت هذه المطالب لأنه في حال تنفيذها ستتمكن قوات الأسد من تضييق الخناق عليها والتحكم بتحركاتها هذا الرفض قابله النظام بالتصعيد في مناطق تل رفعت وريفها وأحياء الأشرفية والشيخ مقصود فحاصر هذه المناطق وشدد الخناق عليها.
وفي عام 2024 بدأت المعركة الحاسمة التي حطمت معاقل النظام السوري وطهرت البلد منه ومن حزبه إلى الأبد بمعركة الشرف التي شارك بها الكثير من ثوار الحسكة لكن اليوم لاتزال الحسكة تقع بين براثن عدّة أطراف معتدية على أهلها وخيراتها وكل طرف يهمه ما يستطيع تحصيله من الثروات الدفينة بعيدًا عن تنمية المدينة وتحسين وضع أهلها الذين على الرغم من غنى مدينتهم إلا أن الأزمات. الاقتصادية تلاحقهم فيما لم يستطع أي طرف من فرض الاستقرار والأمان طوال السنوات الماضية.