من إدلب إلى نيويورك، ومن ميادين الحرب إلى منابر الدبلوماسية، طوى الرئيس أحمد الشرع صفحة العزلة التي فرضها النظام البائد على سوريا لعقود، ليضعها مجدداً في قلب المجتمع الدولي. جاءت كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمثابة إعلانٍ رسمي عن عودة سوريا إلى المشهد العالمي، بعد زيارة تاريخية إلى الولايات المتحدة هي الأولى لرئيس سوري منذ عام 1967.
إدلب.. منطلق الوفاء
بمجرد عودته من نيويورك، خاطب الرئيس الشرع الشعب السوري مباشرةً من إدلب، في قلب حملة “الوفاء لإدلب” التي جمعت أكثر من 208 ملايين دولار أمريكي دعماً للأهالي. وأكد في خطابه أن إدلب ليست مجرد رمز للعاطفة الوطنية، بل عنوان لوحدة التراب السوري، وأن الانتصار الذي تحقق بالدماء والتضحيات صار اليوم اعترافاً سياسياً دولياً لا رجعة فيه.
اللقاء مع الرئيس الأمريكي ترامب
من أبرز محطات الجولة الدبلوماسية للرئيس الشرع، كان لقاؤه الثاني مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حفل الاستقبال الرسمي للأمم المتحدة. اللقاء، الذي استمر عشر دقائق بحضور السيدة ميلانيا ترامب، تناول رفع العقوبات وتعزيز العلاقات بين دمشق وواشنطن. وجاء تتويجاً للقاء الأول الذي جمع الرجلين في الرياض منتصف أيار الماضي، حين أعلن ترامب رفع العقوبات عن سوريا ومنحها “فرصة للتنفس”.
خطاب تاريخي من منبر الشرعية الدولية
كلمة الرئيس الشرع أمام الجمعية العامة خرجت عن النمط التقليدي للبيانات السياسية. فقد سرد “الحكاية السورية” بوصفها صراعاً بين الحق والباطل، وشدّد على أن الشعب السوري انتصر للقيم الإنسانية والتسامح والعدالة، ليؤسس لدولة قانون ومؤسسات. دعا الرئيس إلى رفع العقوبات بشكل كامل، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستشهد إصلاحات استثمارية وانفتاحاً اقتصادياً لجذب الشركات العالمية، بما يضع سوريا على طريق التعافي والتنمية.
جولة دبلوماسية واسعة
أجرى الرئيس الشرع خلال وجوده في نيويورك 22 لقاءً واجتماعاً ثنائياً ومتعدد الأطراف، شملت قادة دول عربية وأوروبية ومسؤولين أمريكيين كبار، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور جين شاهين والنائب غريغوري ميكس. كما شارك في مؤتمر “كونكورديا” وحاور شخصيات بارزة مثل الجنرال ديفيد بتريوس والباحث تشارلز ليستر، في حوارات جسدت الانتقال من ميدان الحرب إلى ميدان الحوار.
ثوابت سوريا الجديدة
أكد الرئيس الشرع أن سوريا الجديدة تنطلق من ثوابت واضحة:
- وحدة التراب الوطني وإفشال مشاريع التقسيم.
- الدبلوماسية المتوازنة والانفتاح الدولي.
- التنمية الاقتصادية وإصلاح القوانين الاستثمارية.
- تأسيس هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وإنصاف المظلومين.
- حصر السلاح بيد الدولة وإجراء انتخابات ديمقراطية.
كما شدد على دعم سوريا للقضية الفلسطينية، داعياً إلى وقف الحرب على غزة فوراً، ومؤكداً أن الموقف السوري ثابت بالانحياز إلى العدالة والكرامة.
صفحة جديدة في تاريخ سوريا
من قاعة الأمم المتحدة إلى لقاء ترامب وقادة العالم، ثم إلى إدلب، رسمت هذه الجولة معالم مرحلة جديدة. سوريا التي قاومت الحرب والاستبداد تفتح اليوم صفحة الانفتاح والبناء، لتعود إلى موقعها الطبيعي كفاعل رئيسي في صياغة مستقبل المنطقة والعالم