قراءة في أسباب تهافت الدول العربية على التطبيع مع النظام السوري

سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى 

كلما نظرت بشفافية ومحاولتي تحليل ما آلت إليه الأحدث في سوريا، أتذكر عبارة رئيس فرع الأمن السياسي لي في عام 2011 ،عندما قال لي أثناء التحقيق :لك راح تسقط كل الدول ومايسقط نظامنا.

ومن خلال متابعة تاريخ سوريا، يجب الاعتراف بعبقرية النظام السوري وأذرعه الإعلامية التي استطاعت على مدى عقود أن تقنع غالبية السوريين وحتى العرب، زوراً وبهتاناً وإرهاباً، بأن النظام السوري عدو مبين لإسرائيل، خمسون عاماً والنظام يُشهر سيف العمالة لإسرائيل ضد معارضيه، وكان إذا أراد أن يقضي على أي مواطن سوري، يتهمه فوراً بالعمالة لإسرائيل.

وقد ظن السوريون على ضوء ذلك، أن النظام يعادي إسرائيل حتى الموت، وأن أكبر خطيئة يمكن أن يقترفها السوري هي العمالة لإسرائيل بنظر النظام. لكننا اكتشفنا بعد نصف قرن أن النظام كان يستخدم تهمة العمالة لإسرائيل فقط للتغطية على عمالة النظام نفسه لإسرائيل.

ومما يؤكد ذلك أن مسؤولاً أمريكياً كبيراً سألوه ذات يوم عن الموقف الأمريكي من الإعلام السوري المعادي جداً لأمريكا، فأجاب المسؤول: «نحن لا يهمنا ما يقوله النظام السوري وإعلامه، بل يهمنا ما يفعله لنا. فلو طلبنا منه مثلاً أن ينجز لصالحنا عشرين بالمائة فقط من أمر ما، كنا نراه يتصل بنا في اليوم التالي ليقول لنا: لقد أنجزت لكم الأمر مائة بالمائة. أي أنه دائماً يفعل أكثر مما نطلب منه. وبالتالي، لا بأس أن يهاجمنا إعلامه ليل نهار، طالما في الجوهر هو أحد أخلص وكلائنا». 

وتختلف أسباب الانفتاح على النظام السوري اختلافا كبيرا بين الدول العربية المطبعة، بحيث لا توجد قواسم مشتركة في هذه الأسباب: بالنسبة للبنان، فإن العلاقة المتداخلة بين البلدين جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا، حتمت على لبنان إبقاء العلاقات بين الجانبين، حتى في ذروة المعارك العسكرية بين عامي 2013 ـ 2018، وإن تراجعت هذه العلاقة على المستوى الرسمي.

وتشكل العلاقة الاستراتيجية بين ميليشيا حزب الله والنظام السوري من جهة، وتردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان من جهة أخرى، عاملين رئيسين في عودة التواصل بين الدولتين على الصعيد الرسمي.

ويتشابه الموقف العراقي مع الموقف اللبناني، حيث تطغى إيران على صناعة القرار في بغداد، وتبدو المصالح الاستراتيجية مترابطة، خصوصا في ما يتعلق بتقوية حضور الميليشيات التابعة لإيران على الحدود بين الدولتين، كل لأسبابه من جهة، ورغبة العاصمتين في إضعاف الحضور الاسترايجي الكردي من جهة ثانية، ولذلك، ظلت العلاقة بين الجانبين قائمة على مستويات عدة منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011.

أما بالنسبة للأردن، فإن العاملين الأمني والاقتصادي، هما السببان الرئيسيان وراء انفتاح الأردن على النظام السوري، مع التأكيد أن الأردن بخلاف لبنان لا تربطه علاقات استراتيجية مع النظام السوري تاريخيا، ولا تفضل عمان بقاء هذا النظام، لكن الواقعية السياسية فرضت على الأردن إعادة النظر في المسألة، ولم يكن تصريح الملك عبدلله لمحطة CNN الأميركية بأن الأسد باق، إلا تجسيدا لهذه الواقعية التي تحكم الدول في نهاية المطاف.

فبعد التفاهمات التي حصلت بين عمان ودمشق حول الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري، بدأ الأردن التوجه نحو الانفتاح الاقتصادي للتخفيف من وطأة التراجع الاقتصادي، ويعتبر مجال الطاقة فرصة مهمة للأردن للحصول على عوائد مالية، إضافة إلى التجارة البينية مع سوريا عبر الحدود البرية.

بالنسبة لمصر، فقد بدأ الانفتاح غير الرسمي نحو النظام السوري بعيد سيطرة عبدالفتاح السياسي على الحكم عام 2013، وكان هناك اعتباران أساسيان يحكمان استراتيجيته: محاربة الإخوان المسلمين في مصر وعموم المنطقة، وإنهاء حالة الربيع العربي بالعودة إلى التحالفات مع الأنظمة الاستبدادية التقليدية.

ضغطت مصر بشدة خلال السنوات السابقة لعودة النظام إلى الجامعة العربية بهدف تشكيل أكبر قدر ممكن من الإجماع العربي ضد قطر ودول أخرى، لكن مع تحسن العلاقات المصرية ـ القطرية والمصرية ـ التركية مؤخرا، تراجعت همة القاهرة في هذا المسعى، وإن ما زالت تؤيد عودة دمشق إلى الجامعة العربية.

وتختلف مقاربة الجزائر عن مصر وتقترب منها في نفس الوقت، فلا يتعلق الأمر بالنسبة للجزائر بصراع المحاور، وإنما في تشابه بنية النظامين السوري والجزائري الاستبدادية وعلاقتهما التاريخية، حيث يعتقد صناع القرار في الجزائر ـ المحكومون بذاكرة العشرية السوداء ـ أن الثورة التي جرت في سوريا هي سبب دمار البلاد، وأن الشعوب العربية غير مهيأة للديمقراطية والحرية.

ولذلك، حافظت الجزائر على علاقات دبلوماسية مع النظام السوري منذ انطلاق الثورة، وعارضت أي خطة لتسليح المعارضة السورية، وهي اليوم تعمل بقوة لحضور النظام السوري القمة العربية المقررة في آذار المقبل بالجزائر.

شاركت السعودية خلال السنوات الخمس الماضية المقاربة المصرية والجزائرية، بعدما كانت تقف موقفا معاديا جدا من النظام السوري، متقاربة من هذه الناحية مع قطر، غير أن تطورات الأحداث في المنطقة، دفعت الرياض إلى التراجع في الملف السوري والاقتراب تدريجيا من موقف أصدقائها دون أن تظهر ذلك بشكل رسمي، بسبب ما يمكن تسميه الخجل السياسي بعد سنوات العداء الحادة.

وكل ماتقدم يجعلما نتساءل ماذا يمتلك النظام السوري، كيف تتهافت على رضاه هذه الدول ،كل ذلك يجعلنا نجزم مليون بالمئة ،أن من يحمي هكذا نظام مجرم من أن يسقط ليس ورائه إلا إسرائيل ولوبياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.