ضربة فوردو النووية: هل نجحت أمريكا في شل البرنامج الإيراني؟


مقدمة:
في تطورات متسارعة، شهدت المنطقة تصعيدًا جديدًا في التوترات مع إعلان الولايات المتحدة شن غارات جوية على منشآت نووية إيرانية رئيسية، بما في ذلك منشأة فوردو شديدة التحصين. وبينما تتضارب الروايات حول مدى فعالية هذه الضربات، تبرز صور الأقمار الصناعية وتحليلات الخبراء أسئلة مهمة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني والمشهد الجيوسياسي في المنطقة. فما الذي حدث بالضبط في فوردو؟ وما هي تداعيات هذه الضربة على الصراع الدائر؟

ضربة فوردو: ما تكشفه صور الأقمار الصناعية
في 22 يونيو 2025، شنت الولايات المتحدة غارات جوية استهدفت منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة “ماكسار” وجود “ستة ثقوب اختراق واضحة” في محيط منشأة فوردو، بالإضافة إلى طبقة من الغبار الرمادي تغطي مساحة واسعة من المنطقة المستهدفة.

استخدمت الولايات المتحدة في هذه الضربات قنابل GBU-57/B MOP (Massive Ordnance Penetrator)، وهي قنابل خارقة للتحصينات تزن حوالي 14 ألف كيلوغرام، ومصممة لاختراق الأهداف المدفونة عميقًا تحت الأرض. وتُعد قاذفات B-2 Spirit الشبحية هي الطائرات الوحيدة القادرة على حمل وإسقاط هذه القنابل الضخمة. وقد أشارت التقارير إلى أن ست قاذفات B-2 أسقطت ما بين 10 إلى 14 قنبلة GBU-57 على فوردو.

وعلى الرغم من وضوح آثار الضربات على السطح، إلا أن تقييم الأضرار الحقيقية التي لحقت بالمنشأة المدفونة على عمق يزيد عن 80 مترًا تحت الصخور الصلبة لا يزال يكتنفه الغموض. فبينما يرى بعض الخبراء أن الهجوم قد ألحق أضرارًا جسيمة وربما دمر الموقع وأجهزة الطرد المركزي، يشير آخرون إلى صعوبة تحديد حجم الدمار بدقة من خلال صور الأقمار الصناعية نظرًا لعمق المنشأة. وقد صرح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، بأن أضرارًا جسيمة متوقعة نظرًا لحساسية أجهزة الطرد المركزي للمفاعلات للاهتزازات، لكن الوكالة غير قادرة على إصدار حكم نهائي دون الوصول إلى الموقع.

سؤال اليورانيوم: هل تم نقله قبل الضربة؟
أثارت صور الأقمار الصناعية التي أظهرت حركة غير اعتيادية لعدد كبير من عربات الشحن والجرافات حول منشأة فوردو في 19 و20 يونيو، أي قبل يومين فقط من الضربات الأمريكية، تساؤلات حول مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.

وقد زعمت مصادر إيرانية رفيعة المستوى أن “معظم اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60% تم نقله إلى موقع غير معلن قبل الهجوم الأمريكي”. هذا المخزون، الذي يقدر بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، يثير قلق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي طالبت إيران بالكشف عن مواقع نقل اليورانيوم المخصب للسماح لمفتشيها بالتحقق من مصيره.

ما وراء القنابل: سياق الصراع الأوسع والمنظور الإيراني
تأتي هذه الضربات في سياق تصاعد التوترات والصراع المستمر بين إيران وإسرائيل، والذي شهد تبادلًا للضربات الصاروخية والطائرات المسيرة. ومن منظور إيراني، فإن هذه “الحرب” لم تحقق أهداف إسرائيل المعلنة بإنهاء البرنامج النووي والصاروخي الإيراني أو إجبار طهران على تفكيك برنامجها.

وفقًا للتحليل الإيراني، فإن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية كانت بسيطة ويمكن إصلاحها في غضون أشهر، بينما ألحقت إيران أضرارًا بالكيان الصهيوني بأكثر من 500 صاروخ وعمليات بطائرات مسيرة. كما يُنظر إلى هذه الأحداث على أنها كشفت عن “أكبر عملية اختراق” أمني لإيران تم تجهيزها لأكثر من 20 عامًا، مما أدى إلى ضبط آلاف الطائرات المسيرة واعتقال عشرات الآلاف من العملاء، وهو ما يُعد “نصرًا تاريخيًا” لإيران في تأمين جبهتها الداخلية.

ويُفسر التوقف الإيراني عن التصعيد بأن طهران لم تبدأ هذه “الحرب” وأن الوقت لم يحن بعد لمواجهة شاملة، نظرًا لحاجتها لأنظمة دفاع جوي متطورة وتأمين جبهتها الداخلية بشكل كامل. ويُزعم أن الضربات الأمريكية كانت “شكلية” وبتنسيق مسبق مع إيران لإرضاء الكيان الصهيوني وكسب اللوبي الصهيوني في أمريكا، وأن الرد الإيراني كان متناسبًا وفي إطار قواعد الاشتباك.

ويربط هذا التحليل بين هذه الأحداث ومستقبل غزة، مشيرًا إلى أن أمير قطر وإيران لن يقبلا بخطة لوقف الحرب إلا بتسوية قادمة في غزة. كما يتوقع أن حربًا قادمة بين إيران والكيان الصهيوني أمر لا مفر منه، ولكن بعد أن تمتلك إيران أنظمة دفاع متطورة، وتؤمن جبهتها الداخلية، وتجهز جبهات المقاومة، وتضعف أمريكا في المنطقة، ويكون لروسيا والصين دور محوري، وبعد أن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا تكتيكيًا.

الخلاصة:
تبقى تداعيات ضربة فوردو النووية محل جدل وتحليل، فبينما تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار بالغة بالمنشآت الإيرانية، تصر طهران على أن الأضرار محدودة وأنها حققت انتصارًا استراتيجيًا. إن الغموض الذي يكتنف حجم الدمار الفعلي ومصير اليورانيوم المخصب، بالإضافة إلى التفسيرات المتضاربة للأحداث، يعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة. ومع استمرار التوترات، يبقى العالم يترقب التطورات المستقبلية التي قد تشكل ملامح الصراع في الشرق الأوسط.

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.