حزب العمال الكردستاني ومحاولة إفشال اتفاق دمشق–قسد: معركة القرار في الجزيرة السورية

تشهد محافظة الحسكة تصعيدًا متسارعًا يتجاوز كونه توترًا أمنيًا عابرًا أو خلافًا تقنيًا حول نقاط انتشار أو ترتيبات داخلية، ليكشف في عمقه عن صراع سياسي حاد على جوهر المرحلة الجديدة في شمال شرق سوريا، وعلى سؤال مركزي: من يملك القرار في الجزيرة السورية، ومن يرسم مستقبل العلاقة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)؟

وبحسب معطيات المشهد الميداني والسياسي، فإن إعلان التعبئة ورفع وتيرة “النفير العام” في الحسكة لا يمكن فصله عن مسار اتفاق دمشق–قسد، الذي كان من شأنه فتح نافذة استقرار وإعادة دمج وطني، قبل أن يدخل فجأة في مواجهة مفتوحة مع مشروع حزب العمال الكردستاني، الذي يرى في أي تسوية بين دمشق وقسد نهاية مباشرة لهندسة نفوذه العابر للحدود.

منذ اللحظة الأولى، لم تتعامل قيادة الحزب مع الاتفاق بوصفه ترتيبًا إداريًا أو خطوة نحو استعادة السيادة السورية، بل كتهديد وجودي لمشروعها السياسي والعسكري. فالانتقال بقسد من كيان مسلح مستقل إلى قوة محلية ضمن إطار الدولة السورية يعني عمليًا فك الارتباط مع مراكز القرار في قنديل، وتحويل البوصلة من مشروع إقليمي إلى مسار وطني سوري. وهنا تبرز الحسكة ليس كمدينة متوترة أمنيًا، بل كنقطة تثبيت قرار حاسم، يتجاوز البعد السوري ليصل إلى سؤال كردي داخلي: هل تكون قسد جزءًا من سوريا الواحدة أم أداة لمشروع عابر للحدود؟

ويترافق التصعيد الميداني مع تحوّل لافت في الخطاب السياسي، حيث لجأت قيادات حزب العمال الكردستاني إلى خطاب المظلومية والتخوين، مقدّمة الاتفاق بوصفه “مؤامرة دولية” و”خيانة”. وفي هذا السياق، شنّ القيادي البارز حزب العمال الكردستاني مراد كارايلان هجومًا حادًا على الولايات المتحدة وفرنسا، متهمًا إياهما بـ”الغدر” و”النفاق”، في محاولة لتأجيج شعور الخطر الوجودي، ليس داخل الحسكة فقط، بل في أوساط الأكراد في الشتات، عبر دعوات مباشرة للتعبئة والانتفاض والاستعداد لحرب المدن والأنفاق.

هذا الخطاب، وفق مراقبين، لا يعكس خلافًا تفاوضيًا بقدر ما يكشف عن قرار سياسي واضح لنسف الاتفاق، عبر نقل الصراع من مسار الدولة والسياسة إلى منطق الهوية والتعبئة القصوى، ومن محاولة التسوية إلى استراتيجية حافة الهاوية.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى ملف السجون، رغم خطورته، كأداة ضغط وابتزاز سياسي أكثر منه جوهر الأزمة. فالتلويح بخطر “انفلات داعش” يُستخدم لتحريك المخاوف الدولية وفرض التريث، بينما يبقى النزاع الحقيقي مرتبطًا بمن يمسك “مفتاح المرحلة” ويحدد شكل التوازنات الجديدة في الشرق السوري بعد التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

ويأتي هذا التصعيد في توقيت حساس، تتبلور فيه ملامح توافق دولي وإقليمي غير مسبوق على إعادة سوريا إلى “صيغة الدولة” بدل “صيغة الكيانات”. فقد تزامنت التطورات الميدانية مع مؤشرات سياسية واضحة، أبرزها الاتصال بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما تبعه من رسائل تؤكد دعم وحدة سوريا وحقوق جميع مكوناتها ضمن إطار الدولة. كما برزت إشارات أوروبية لافتة، عكست تقاطعًا سياسيًا بين واشنطن وباريس، عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برسائل واضحة حول الملف السوري.

إقليميًا، عززت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الداعمة لوحدة الأراضي السورية، والتي أعلن فيها أن “عصر الإرهاب انتهى”، مؤشرات التحول في قواعد اللعبة الإقليمية. كما جاء التحرك السعودي، عبر اتصال وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، ليشكل غطاءً عربيًا إضافيًا يهدف إلى منع انفلات الأوضاع وترسيخ مسار الدولة السورية الواحدة.

في ضوء هذا التقاطع الدولي والإقليمي، تبدو أحداث الحسكة محاولة أخيرة لكسر إرادة إجماع آخذ في الترسخ، قبل أن يتحول إلى واقع نهائي على الأرض. ويخلص مراقبون إلى أن حشد القوات والتصعيد الحاليين ليسا سوى “الرقصة الأخيرة” في استراتيجية قائمة على التصعيد والمظلومية، في وقت تتراجع فيه هوامش المناورة وتضيق خيارات المشاريع الموازية للدولة.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تدرك النخب والقيادات الكردية حجم المخاطر التي يحملها هذا المسار، وتبادر إلى اتخاذ قرارات تاريخية تنقذ المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة خاسرة للجميع؟ الإجابة، كما تشير التطورات، قد تتضح خلال الساعات والأيام القليلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.