تعرض هذه المدونة نص منشور الباحث السوري المجتمعي الأستاذ مهند الكاطع، موثقاً بصور أرشيفية نادرة تُظهر مراحل تأسيس المدارس الأولى في الجزيرة السورية، ومسيرة التحول من التعليم الأهلي المرتبط بالكنائس إلى التعليم الرسمي بإشراف وزارة المعارف السورية.
بداية التعليم في الجزيرة السورية
كانت الجزيرة السورية قبل عشرينيات القرن الماضي خالية من العمران، وكانت العشائر تنتشر في مراعيها بين المصايف والمشاتي دون وجود مؤسسات تعليمية، باستثناء مدرسة صغيرة لتحفيظ الأطفال الشيشان في رأس العين. في تلك الفترة، كانت متصرفية دير الزور تضم قرابة أربعين مدرسة، بقي منها اثنتا عشرة بعد الحرب العالمية الأولى ودخول الانتداب الفرنسي.
مع ترسيم الحدود الفرنسية التركية وظهور مدن جديدة مثل الحسكة، القامشلي، والدرباسية استقر المهاجرون – خاصة من المسيحيين – وبدأت بوادر الحياة المدنية والتعليمية تظهر تدريجياً.
المدارس الأولى ودور الكنائس
تشير المصادر إلى أن النشاط التعليمي في الجزيرة بدأ أواخر عشرينيات القرن الماضي داخل الكنائس الناشئة حديثاً، حيث أنشئت صفوف لتعليم الأطفال القراءة والكتابة.
بدأ نشاط كاثوليكي نشط بدعم من الإدارة الفرنسية، هدف إلى تعليم أبناء الأرثوذكس (اليعاقبة) في إطار جهود “الكثلكة”، وشجع أيضًا على تعليم الفتيات إلى جانب الذكور، وهو أمر كان حديث العهد آنذاك.
التعليم الرسمي ودور وزارة المعارف
بين عامي 1928 و1930 تأسست أول مدرستين رسميتين في الحسكة والقامشلي بإشراف وزارة المعارف.
وفي عام 1931، أصبحت جميع أقضية الجزيرة تضم مدارس حكومية، بعدما زار الوزير محمد كرد علي المنطقة وكتب عن ضرورة بناء عشر مدارس إضافية وتعيين معلمين دائمين منعاً لهيمنة المدارس التبشيرية.
في 12 تموز 1933، تأسست أول مدرسة نظامية في القامشلي بإدارة السيد يونان جرجس هدايا القادم من ماردين، تحت اسم “مدرسة السريان الأرثوذكس”، وكانت تابعة لوزارة المعارف الرسمية.
كما خصصت الدولة إعانات مالية سنوية لمدارس الطوائف المسيحية، التي توزعت في دير الزور، الحسكة، القامشلي، عامودا، ورأس العين.
توسع المدارس المسيحية
بعد عام 1933، اتسع نشاط التعليم الأهلي المسيحي، فأنشئت مدارس أرثوذكسية جديدة في الدرباسية، عرب بينار (عين العرب)، وقبور البيض.
كما توسعت شبكة المدارس الكاثوليكية تحت إشراف المطران حبي في الحسكة والقامشلي ودير الزور وعامودا.
وفي عام 1937، حصل ميخائيل ملكي على رخصة لتأسيس مدرسة رسمية بأربع صفوف في القامشلي، هي “مدرسة السريان الكاثوليك”.
تعليم أبناء العشائر والريف
اتخذت وزارة المعارف خطوة مهمة في تموز 1937 بتعيين معلمين لتعليم أبناء العشائر في قرى الجزيرة، ومنهم محمود عدي لشمر الزور، الشيخ زكي كيالي للجبور، نوري الشيخ عارف لطيء، منعم عيسى لبينار علي، عبد القادر خضير للملّية، عبد الله جبريني للدقورية، ونبهان درع للكوجر.
وفي عام 1938، أُنشئ لأول مرة مركز رسمي للامتحانات الابتدائية في محافظة الحسكة، دليلاً على اتساع قاعدة التعليم بين أبناء الجزيرة ذكوراً وإناثاً.
ملاحظات ختامية
كان أغلب الموظفين والمعلمين العاملين في الجزيرة خلال تلك المرحلة من أبناء دير الزور، نظراً لتقدمها التعليمي مقارنة ببقية مناطق الجزيرة، التي لم يبدأ فيها التعليم المنظم إلا بعد نحو أربعة عقود من تاريخ استقرار التعليم في الدير.
الصور المرفقة (توثيق أرشيفي)
• صورة لمبنى مدرسة القامشلية الأولى أثناء مرحلة الإنشاء.
• مقتطف من وثيقة أرشيفية تتحدث عن نشاط أبناء الطائفة في جمع التبرعات لبناء المدرسة والكنيسة.
• صورة جماعية لتلاميذ إحدى المدارس المسيحية في القامشلي أو الحسكة في الثلاثينيات.

هذه المادة التوثيقية تعيد إحياء مرحلة تأسيسية محورية في تاريخ التعليم في الجزيرة السورية، وتوثق الدور البارز للطوائف المسيحية والمجتمع المحلي في نشوء المؤسسات التعليمية الأولى، قبل أن تتحول إلى نظام التعليم الرسمي المعروف لاحقاً.