سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
في سوريا من الصعب أن نجد أي شخص يمكنه أن يقول إنه عاش حياة سعيدة، ويكون راضيا بحياته بعد أن يتقاعد من العالم مثل ضيف راض، لذلك نشهد في سوريا مؤخراً موجة من الاستقالات في معظم المؤسسات الحكومية، والكثير منها لموظفين حديثي العهد ولم يمضِ على توظيفهم أكثر من خمس سنوات، وهي وفق تبريرهم إما بسبب الأجور المتدنية، أو هروبا من تكرار تجربة التقاعد المجرد من أية مكاسب، فالسياسات الحكومية بما فيها الدعم الاجتماعي لم تؤمن أي برنامج لحماية المتقاعدين وتأمين حياة كريمة لهم، إذ يكتفي المتقاعد براتب هزيل لا يكفي لثمن أدويته، دون أي دعم آخر لمعيشته.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا وانهيار قيمة العملة المحلية، يبدو أن الحديث عن زيادة وشيكة لرواتب المتقاعدين، التي فقدت أكثر من ثلثي قيمتها، لا فائدة منها، لأن تطبيق الزيادة سيكون مع بداية العام المقبل والذي أثار حفيظة المتقاعدين، لا سيما وأنهم في الوقت الحالي خارج كل حسابات الدعم الحكومي.
المتقاعد يعيش حاليا بمعجزة مع راتب 70 ألف ليرة سورية، فحتى المقاهي الشعبية الرخيصة التي كان يرتادها شريحة كبيرة من المتقاعدين لم تعد تكتظ بهم، كيف يعيش هؤلاء في ظل متطلبات الحياة الكثيرة وهذا الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء، هو المعجزة بحد ذاتها، هكذا يقول أحد المتقاعدين، الذين عملوا في مديرية التربية والتعليم 53 عاما والآن يتقاضى راتبا تقاعديا مقداره 75 ألف ليرة سورية بعد الزيادة الأخيرة، وهو مريض ويحتاج إلى أدوية وطبابة ومتطلبات صحية تزيد عن 100 ألف ليرة سورية شهريا.
فهو الذي قضى عمره في مديرية التربية، يقول : بهذا الراتب التقاعدي أصبحت مشرداً لا متقاعداً فكيف لرجل مثلي وفي هذا العمر أن يعتاش من هذا الفتات إذا لم أجد عملا على وجه السرعة سأصبح على قارعة الطريق.
صرف رواتب متقاعدي الوظائف الحكومية في العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية يبدأ في الـ 20 من كل شهر، سواء عبر الصرافات الآلية ودفاتر المعاشات ومؤسسات البريد، ومع ذلك يعاني اليوم متقاعدو دمشق من تأخير صرف رواتبهم لشهر كامل بحجج واهية.
عدد المتقاعدين في سوريا يبلغ 750 ألف مستحق للمعاش التقاعدي، من ضمنهم 550 ألف حساب جار، و200 ألف دفتر معاش، بحسب بيانات المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، ويصرف المعاش التقاعدي عبر ثلاث طرق هي حساب جار، صراف آلي، ودفتر معاش تقاعدي.
وفي منتصف عام 2021، قدر المدير العام لمؤسسة التأمينات الاجتماعية التابعة للنظام يحيى أحمد، أن أكثر من 7 مليارات ليرة تكلفة زيادة رواتب المتقاعدين المسجلين في المؤسسة حسب مرسوم زيادة الرواتب التي زادها 40 بالمئة للمتقاعدين، مشيرا إلى أن المؤسسة تدفع شهريا للمتقاعدين 18 مليار ليرة، وبعد الزيادة فإنه من المتوقع أن تدفع المؤسسة نحو 25 مليار ليرة.
لكن هذا الإنسان الذي أفنى حياته في خدمة الدولة أليس صعبا عليه بعد هذا العمر المديد أن يبحث عن عمل من جديد قد يكون غير لائق ليؤمن من خلاله دخلا إضافيا يكفيه لحاجياته الأساسية ومتطلبات الحياة.
وفي الوقت الذي يتصدر فيه نظام الحوافز الجديد الحديث عن رفع الرواتب والأجور، حسب ما وصفته صحيفة البعث الموالية، أمس الإثنين، ينتظر المتقاعدون بدورهم أية تسكيته تخصهم بعيدا عن الزيادة التي يبدو أنها صعبة المنال، ولن تكن كافية إن صدرت بنسب متواضعة، ورغم استقطاب القطاع الخاص للكثير من المتقاعدين من المهندسين أو الفنيين كخبراء واستشاريين، إلا أن النسبة الأكبر يتجهون للعمل بما لا يناسب أعمارهم وخبراتهم فقط لتأمين قوت يومهم.