سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
ينهمك غالبية السوريون في داخل البلاد في السعي خلف تأمين أبسط احتياجات حياتهم اليومية، من غذاء وطاقة ومياه، والاصطفاف في طوابير سيئة الصيت للحصول على بضعة أرغفة من الخبز وعبوة غاز كل ثلاثة أشهر، يسعى آخرون خلف أبرز وآخر الحفلات الغنائية باهظة الثمن، التي عكف مطربون عرب على إقامتها داخل سوريا، في تطبيع سياسي اقتصادي مع حالة الفوضى السورية.
وهذا المشهد يتوائم مع محتوى البرنامج الصباحي مثلا على تلفزيون النظام السوري، الذي كان يتحدّث عن فوائد سلطة الفواكه، بينما هناك بيوت سورية لم تدخلها الفاكهة منذ أشهر طويلة، في مشهد يعكس حالة الشرخ في الطبقية الاقتصادية والأولويات لمن هم داخل سوريا، فهذه حرب المستفيدين من الحرب على الخاسرين منها.
فمنذ صيف 2019 وبعد هدوء الجبهات في محيط العاصمة دمشق وقبلها حلب وحمص، عادت الحفلات الغنائية لمطربين مشهورين إلى سوريا، ثم توقّفت خلال انتشار وباء كوفيد 19 لتعود بعدها مرة أخرى على نطاق أوسع.
بدأت هذه الحفلات من بوّابة سهرات ثقافية في مهرجانات كانت تقام سابقا في سوريا، مثل مهرجان قلعة دمشق، لتنتقل بعدها على شكل حفلات تنظّمها شركات الإنتاج والتوزيع السورية.
وهذا الصيف، استضافت العاصمة دمشق، ومدنا أخرى مثل حلب وحمص عدّة حفلات لمطربين عرب مشهورين، ولكن بينما تأتي هذه الحفلات في البلد الذي يتصدّر قوائم البؤس من حيث الأسوأ في المعيشة والدخل والسعادة، وبينما يعيش أكثر من 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر حسب الإحصاءات الأممية، تظهر هذه الحفلات حالة الشرخ الطبقي الاقتصادي الذي يعيشه السوريون في داخل بلادهم.
فموسم الحفلات الدمشقية الذي ازدهر في الفترة الأخيرة من قبل مطربين شعبيين أو لديهم تاريخ طويل في الغناء، مع إسقاطاته على الحالة الاقتصادية السورية.
ففي الصيف شهد إقامة سلسلة حفلات في سوريا، البعض منها لفنانين مغمورين، والبعض الآخر لمشهورين، من جنسيات عربية مختلفة.
وأسعار بطاقات الحفلات انقسمت لفئتين، فئة شعبية تنظم حفلاتها في دار الأوبرا أو قلعة دمشق أو أماكن عامة ثقافية أخرى، والفئة الثانية هي بطاقات حفلات المطاعم والفنادق وأماكن السهر الفاخرة والتي قد يتجاوز سعرها النصف مليون ليرة كما هو الحال في حفلات عيد السيدة التي وصل سعر بطاقتها إلى نصف مليون ليرة.
هذه الحفلات لا تحمل أي فوائد اقتصادية، بل تنحصر بكونها دعاية سياسية وكسر عزلة عن النظام السوري وهي حفلات تُقام لطبقة محدّدة في المجتمع الموجود داخل سوريا، وفي أغلب الأحيان يكون روّاد الحفلات الخاصة التي تقام في المنتجعات والفنادق هم إمّا أبناء المسؤولين الشبيحة أوتجّار حرب أو مستفيدين منها أو أشخاص كانوا مغتربين لفترات طويلة وعادوا للاستقرار في سوريا مع القطع الأجنبي الذي لديهم.
متوسّط الدخل في سوريا لا يتناسب إطلاقا مع تكاليف هذا النوع من الحفلات الفاخرة، حيث أن الراتب بمتوسّطه يبلغ 150 ألف للموظف، وهذا الراتب لا يكفي لاستجرار الكهرباء عبر المولّدات، بعيدا عن بقية الاحتياجات الأساسية من مياه وأغذية وأدوية ومستلزمات أخرى حتّى يخوّل الشخص حضور حفلات به .
فما فائدتها للشعب السوري الذي يعيش 90 بالمئة منه حالة الضياع والجوع والحرمان.