في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات “الإدارة الذاتية” و”الديمقراطية” و”تمكين المرأة” في شمال شرق سوريا، يعيش سكان الحسكة والمناطق المجاورة واقعًا معاكسًا تمامًا، ينهكهم يوميًا انعدام الخدمات الأساسية، وغياب الرقابة، وتفشي الفساد، وسط صمت محلي ودولي مطبق.
الكهرباء.. رفاهية منسية
التيار الكهربائي مقطوع بشكل شبه دائم، وتعتمد معظم الأحياء على مولدات خاصة (الأمبيرات) التي تحوّلت إلى مصدر للابتزاز. المواطن يدفع مبالغ باهظة مقابل خدمات متقطعة، بينما يتلاعب أصحاب المولدات بالتقنين والصيانة دون أي رقابة فعلية.
المياه.. أزمة مركبة تتجاوز الاحتلال
تُبرر الإدارة الذاتية انقطاع المياه عن مدينة الحسكة بسيطرة تركيا على محطة “علوك” في رأس العين، لكنّ الأزمة تشمل أيضًا مدنًا أخرى مثل القامشلي، ما يكشف عن خلل أعمق في الإدارة، وفشل في تأمين مصادر بديلة، رغم توفر الأنهار والآبار الجوفية.
الوقود والمحروقات.. بين الغلاء وسوء التوزيع
رغم وجود أهم حقول النفط في سوريا ضمن مناطق الإدارة الذاتية، يعاني السكان من نقص حاد في الوقود، وارتفاع غير مبرر في أسعاره. غابت وسائل التدفئة عن البيوت في الشتاء، فيما التوزيع محكوم بعشوائية لا تراعي الاحتياجات ولا العدالة.
الخبز والقمح.. مفارقة مُهينة
في منطقة تُعرف بأنها سلة الغذاء السورية، أصبح الحصول على الخبز مهمة يومية شاقة. الطوابير، رداءة النوعية، وارتفاع الأسعار أصبحت مشهدًا مألوفًا، بينما يتحدث المسؤولون عن “اكتفاء ذاتي” لا يرى له الناس أثرًا في الواقع.
غياب الرقابة وقرارات “كرتونية”
تصدر قرارات كثيرة باسم “تنظيم الخدمات” أو “تحسين الوضع”، لكنها تبقى حبراً على ورق، تُطوى بعد لحظات من إعلانها. المواطن فقد ثقته بالإدارة، ويدرك أن تلك القرارات غالبًا لا تخدم إلا طبقة محددة من المنتفعين المتحكمين بمفاصل الاقتصاد المحلي.
شعارات براقة تغطي فشلًا ممنهجًا
رغم ترويج الإدارة الذاتية لمفاهيم الحرية والمساواة، إلا أن الواقع يشير إلى قمع للأصوات الناقدة، وتخوين لأي محاولة إصلاح. المواطنون يتساءلون: كيف يمكن لحكومة تُسيطر على مصادر النفط والقمح، ألا توفر الخبز أو الوقود؟ وكيف تُرفع شعارات “المرأة والديمقراطية” بينما يُهدر الحد الأدنى من كرامة الإنسان؟
الناس يتنفسون القهر.. ولا أحد يسمع
تتزايد مشاعر الاختناق واليأس، ويشعر الناس أنهم محاصرون بين سلطات أمر واقع لا تمثلهم، وغياب تام لأي دعم خارجي فعّال. يُقمع كل صوت يحاول كشف الحقيقة، وتُخنق أي مبادرة تغيير من الداخل.
دعوة للتحقيق والمساءلة
الوضع في شمال شرق سوريا، وخاصة في الحسكة، تجاوز حدود الفشل الإداري ليصل إلى مستوى أزمة إنسانية مستمرة. وهو ما يتطلب من الجهات الدولية، الإعلامية والحقوقية، فتح تحقيق جاد، وممارسة ضغط حقيقي على الجهات المسيطرة، من أجل ضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة، وصون كرامة الناس.
إعداد: فريق التحرير