BAZNEWS/ الحسكة
يتناول هذا البحث التحوّلات الديموغرافية التي شهدتها منطقة الجزيرة السورية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مع تركيز خاص على تشكّل التواجد الكردي الكثيف في شمال شرق سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي. ويعتمد البحث على مراجع أكاديمية موثوقة، أطروحات جامعية، ودراسات تاريخية متخصصة، لتحليل العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية التي دفعت موجات واسعة من الكُرد إلى النزوح من جنوب شرق الأناضول نحو الأراضي السورية. كما يناقش البحث سياسات الانتداب الفرنسي في إدارة ملف اللاجئين، والجدل القومي الذي أثارته هذه التحولات داخل سوريا، ويقدّم قراءة نقدية للسرديات المتعارضة حول “الأصالة” و“الوافدية” في الجزيرة السورية.
مقدّمة
تُعدّ منطقة الجزيرة السورية (الجزيرة الفراتية) من أكثر مناطق سوريا حساسيةً من حيث التركيبة السكانية والتاريخ السياسي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى، تحوّلت هذه المنطقة إلى مسرح لتفاعلات ديموغرافية معقّدة ارتبطت بإعادة رسم حدود الشرق الأوسط، وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وصعود الدولة القومية التركية، وفرض نظام الانتداب الفرنسي على سوريا.
يهدف هذا البحث إلى دراسة التواجد الكردي في الجزيرة السورية ضمن سياقه التاريخي الحقيقي، بعيداً عن السرديات السياسية المعاصرة، من خلال تتبّع زمن الهجرات، وأسبابها، وحجمها، وتأثيرها على البنية الاجتماعية والسياسية للمنطقة.
الإطار التاريخي قبل عام 1918
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الجزيرة السورية جزءاً من ولايات الدولة العثمانية، ولا سيما ولايتي ديار بكر والموصل. تميّزت المنطقة بتنوّعها العرقي والديني، حيث عاشت فيها قبائل عربية، وتجمّعات سريانية/آشورية، وأرمنية، إلى جانب وجود كردي محدود، في معظمه ذو طابع رعوي أو حدودي.
تشير الدراسات التاريخية إلى عدم وجود كيان سياسي أو حضاري كردي مستقل في الجزيرة السورية قبل القرن العشرين، كما لا تُظهر السجلات العثمانية أو الأثرية أي كثافة سكانية كردية كبيرة أو مستقرة في هذه المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى (Tejel, 2009).
إعادة رسم الحدود وبداية التحوّل (1918–1923)
أدّت اتفاقية سايكس–بيكو (1916) ثم مؤتمر سان ريمو (1920) إلى تقسيم المشرق العربي بين القوى الاستعمارية، ووضعت الجزيرة السورية تحت الانتداب الفرنسي. لاحقاً، ثبّتت معاهدة أنقرة عام 1921 الحدود السورية–التركية، ما حوّل الجزيرة إلى منطقة حدودية جديدة استقبلت موجات نزوح واسعة.
أدّى هذا التحوّل الحدودي إلى تحويل التنقّل التقليدي بين الأناضول وسوريا إلى هجرة سياسية وقانونية، خاصة بالنسبة للسكان الكُرد الذين وجدوا أنفسهم داخل الدولة التركية الحديثة.
عوامل الدفع: القمع السياسي في تركيا الكمالية
بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، انتهجت الحكومة الكمالية سياسات مركزية هدفت إلى صهر الهويات غير التركية ضمن القومية التركية. أدّت هذه السياسات إلى اندلاع ثورات كردية عدّة، أبرزها ثورة الشيخ سعيد عام 1925، التي قوبلت بقمع عسكري واسع النطاق.
تُجمع الأدبيات الأكاديمية على أن هذه الأحداث شكّلت عاملاً رئيسياً في دفع عشرات الآلاف من الكُرد إلى النزوح نحو سوريا، ولا سيما منطقة الجزيرة لقربها الجغرافي وطابعها الريفي القابل للاستيعاب (McDowall, 2004).
عوامل الجذب: سياسات الانتداب الفرنسي
في المقابل، لعب الانتداب الفرنسي دوراً محورياً في توجيه هذه الهجرات واستيعابها. فقد سعت السلطات الفرنسية إلى:
- تعزيز السيطرة على المناطق الحدودية،
- استثمار الأراضي الزراعية غير المستغلة،
- خلق توازنات سكانية تقلّل من نفوذ القبائل العربية الكبرى.
وتشير دراسات متخصصة إلى أن فرنسا منحت وضعاً قانونياً لعدد كبير من الوافدين، وشجّعت الاستقرار الزراعي، وربطت الجزيرة بشبكات الطرق والسكك الحديدية، ما جعلها منطقة جذب رئيسية للاجئين (Altuğ, 2011).
التحوّل الديموغرافي بالأرقام
تُظهر الأبحاث الحديثة حجم التحوّل السكاني في الجزيرة السورية خلال فترة قصيرة نسبياً:
- قبل عام 1927، لم يكن عدد القرى الكردية يتجاوز 45 قرية.
- بحلول عام 1939، ارتفع العدد إلى ما بين 300 400 قرية ذات أغلبية كردية (Borain, 2022, p.12).
- تشير تقديرات أعدّتها الإدارة الفرنسية عام 1937 إلى أن الكُرد أصبحوا أكبر مجموعة إثنية منفردة في الجزيرة العليا، بعدد يُقدَّر بنحو 82 ألف نسمة (Borain, 2022 نقلاً عن McDowall).
تعكس هذه الأرقام سرعة التحوّل، لا مجرد نمو طبيعي، بل نتيجة مباشرة للهجرة المنظمة والتوطين.
اللاجئون الآخرون: الأرمن والآشوريون
لم تكن الهجرة إلى الجزيرة السورية مقتصرة على الكُرد فقط. فقد استقبلت المنطقة أيضاً لاجئين أرمن وآشوريين، لا سيما بعد المجازر التي تعرّضوا لها في الأناضول والعراق.
تشير دراسة حول إنشاء أولى المستوطنات الأرمنية في الجزيرة إلى أن نحو 10,000 أرمني استقروا في المنطقة خلال عشرينيات القرن العشرين، وفق إحالة مباشرة إلى أطروحة Seda Altuğ (Abrahamyan, 2016).
تشكّل الوعي السياسي الكردي في سوريا
ضمّت موجات النزوح الكردية شرائح متعلّمة ونشطاء سياسيين، ما ساهم في نشوء حركة ثقافية وسياسية كردية داخل سوريا خلال فترة الانتداب. يربط عدد من الباحثين بين قدوم هؤلاء المثقفين من تركيا وبداية تشكّل التاريخ السياسي الكردي السوري الحديث (Tejel, 2009).
الجدل القومي و«مسألة اللاجئين»
أثارت التحوّلات الديموغرافية في الجزيرة جدلاً واسعاً داخل الأوساط القومية العربية السورية، التي رأت في سياسات التوطين الفرنسية تهديداً للهوية العربية والسيادة الوطنية. في المقابل، برّرت فرنسا هذه السياسات بالحاجة إلى الاستقرار والتنمية.
شكّل هذا الجدل أحد الجذور المبكرة للتوترات السياسية والهوياتية التي استمرت لاحقاً في سوريا.
ملاحظة لغوية منهجية
تؤكّد المراجع اللغوية المتخصصة أن اللغة الكردية لغة مكتوبة، تنتمي إلى اللغات الإيرانية ضمن العائلة الهندوأوروبية، ولها أنظمة كتابة متعددة (لاتينية، عربية–فارسيّة معدّلة)، ولا يصح علمياً نفي صفة اللغة عنها (Encyclopaedia Britannica؛ Encyclopaedia Iranica).
الخاتمة
يخلص البحث إلى أن التواجد الكردي الكثيف في الجزيرة السورية هو نتاج تاريخي حديث نسبياً ارتبط بموجات لجوء كبرى بعد الحرب العالمية الأولى، وسياسات دولة قومية ناشئة في تركيا، وإدارة استعمارية فرنسية سعت لإعادة تشكيل الحدود والسكان والاقتصاد.
ولا يمكن فهم الواقع الحالي لشمال شرق سوريا دون إدراك هذه الخلفية التاريخية، بعيداً عن التبسيط أو التوظيف السياسي للتاريخ.
المراجع (وفق APA)
- Altuğ, S. (2011). Sectarianism in the Syrian Jazira: Community, land and violence in the memories of World War I and the French mandate (1915–1939). Utrecht University Repository.
- Borain, L. (2022). The Kurds of Syria: Towards Self-Governance (Master’s thesis). University of Cape Town.
- McDowall, D. (2004). A Modern History of the Kurds. I.B. Tauris.
- Tejel, J. (2009). Syria’s Kurds: History, Politics and Society. Routledge.
- Abrahamyan, V. (2016). Creation of the first Armenian refugee settlements in the Syrian Jazira (1918–1926). Academia.edu.
- Encyclopaedia Britannica. Kurdish language.
- Encyclopaedia Iranica. Kurdish Language: History and Classification..