ديرالزور – مروان مجيد الشيخ عيسى
التنور في دير الزور يدل على التواصل الاجتماعي، والود والمحبة بين نساء الحي الواحد، حيث اتخذ التنور ولازال صفة اجتماعية، فكان يؤلف بين نسوة القرية حلقة من التواصل اليومي ومجلساً للنساء خاصة عندما يكون الاجتماع على الخبز غروباً حيث يعتبر محطة راحة وتسلية بعد ساعات من العمل الشاق في الزراعة ،وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للأولاد الذين يتصارخون فرحاً عند موعد الخبز فتراهم يتراكضون أمام أمهاتهم نحو التنور
التنور الديري فيعود وجوده لمئات السنين وهو ليس مجرد فرن لقضاء الحاجة الحياتية بالنسبة للمجتمع الديري بل هو حلقة وصل بين بين جارات الحي الواحد وملحقات السكن البديهية وفناً في شكله الهندسي وبنائه .
ففي وقت لم يكن لوسائل الاتصال تلك الأهمية في نقل الحدث وانتشاره داخل المجتمع وخارجه، كانت بيوت الخبازات في دير الزور إحدى وسائل المعرفة في ذلك الوقت، والسرعة في نقل الخبر.
تقول إحدى اللواتي عاصرن تلك الفترة كانت نساء الدير في الماضي تتنافسن من ستوقد نار تنورها أولا؟ فهذا يدل على نشاطها،حيث تتسابق وتتسارع الجارات فيما بينهم في صنع العجين، ويتساعدن بكل صغيرة وكبيرة، وخاصة إذا أصابت إحداهن مناسبة، ولا يكاد يخلو منزل ديري من وجود التنور، أما اليوم فقد أمسى التنور أحد مفردات التراث التقليدي العريق لأهالي ديرالزور.
أما عن السبب الذي دفع بعض من هؤلاء النسوة امتهان ذلك العمل قالت إحداهن يعود السبب إلى أمرين أولهما هناك بعض النسوة كانت عائلاتهم فقراء ويرغبون بمساعدتهم فتذهب الفتاة للعمل عند تلك الخبازة بأجر معلوم في ذلك الوقت، والأمر الثاني هي فقدان المرأة لزوجها وتصبح أرملة ولا تجد ما يعيلها هي وأبنائها فتجد تلك الأرملة عمل داخل بيتها تعيل به عائلتها مقابل أجر تأخذه لمن تقوم بخبز الخبز لهم، فلم يكن يخلو حي من أحياء الدير من إحداهن، وكانت بيوت الخبازات ملتقى للنساء اللواتي ينتظرن خبزهن حتى ينضج، فتدور الحكايا وتنتقل الأخبار بين بعضهن
أما طريقة صنع خبز التنور فقالت سيدة : ساعد التنور على ترسيخ منظومة التعاون والعمل الجماعي، فبعد أن يعجن الطحين في المعجن، سواء كان معجن فخاري أو معدني، كانت المرأة تقطع العجين بيديها إلى قطع صغيرة مكورة تضعها في وعاء خاص يحمل على طبق منسوجة من سنابل القمح، ترفعه على رأسها متوجهة إلى التنور حيث تجتمع النسوة والصبايا حول التنور وعقب هدوء النار وارتفاع درجة حرارة جدرانه يبدأ العمل الجماعي المنسق، فتتعاون النسوة على الخبز ترقيداً وتفتيحاً وتكبيراً ولصقاً بالتنور فتجثو إحداهن على المصطبة لترقيد أقراص العجين وترقيقها على خشبة مدورة تحضر مع الطبق إلى التنور، ويكون حجمها بحجم رغيف الخبز وتصنع خصيصاً لهذا الغرض، ثم تختص أخرى بتلويح الرغيف أمام التنور ليصير دائرياً متسعاً باستخدام الكارة، وهي قطعة قماشية كبيرة ومدورة تشبه الرغيف وعادة ما تحشى من الداخل بلباد صوفي لتبلغ سماكة معينة ومن ثم يوضع الخبز في المخمر ليبقى ساخناً.
وما يميز الرغيف الديري أو التنور كما يسمونه أهل الدير فيتميز الرغيف الفراتي بأنه مصنوع بكل مراحله بالطرق اليدوية فمن زراعته إلى حصاده حتى وصوله إلى المنزل، حيث لا يزال بعض بيوت الريف، تطحن الحبوب بواسطة الرحى وتغربله بغربال خاص، ثم تقوم بعجنه وتقطيعه ورقه حتى يصبح رغيفاً قبل أن توضعه في التنور ليصبح رغيفاً.
وهناك نوع من الخبز مختص به أهل الدير هناك نوع من خبز التنور يثقب من الوسط ويسمى جعيجة ويذر على وجهها الحوائج وهي مؤلفة من خمسة أنواع يانسون حبة بركة- كمون- شمرا- شومر وهذه الحوايج لها فؤائد طبية كثيرة.
وكانت بيوت الدير ريفاً ومدينة لا تخلو من رحى لطحن الحبوب وتنوراً لصنع الخبز وكانت السوالف والأخبار ورواية الحوادث تدور كما تدور حجرة الرحى فوق أختها وكانت هناك روابط أسرية وعلاقات اجتماعية تتواصل من خلال المشاركة طحن الحبوب ونخله وعجنه وتقطيع العجين ورقه وخبز الخبز فكم من جارة تناوبت وجاراتها على تنور واحد فكان خبز التنور طقساً اجتماعيا تشاركياً.
وكان لخبز التنور هالة روحية تتجسد في تحلق الأطفال حوله مترقبين خروج أول رغيف مستنشقين عبقه تلك الرائحة التي لا تقاوم وكم من عابر سبيل أو خاوي بطن نال نصيبه من الخبز وكم من فرح أحزن تشاركت في خبز تلك المناسبة أغلب نسوة القرية في خبزه للتخفيف على أصحاب المناسبة عناء خبز كمية كبيرة من خبز التنور ليأكله الضيوف هنيئا مريئا .