اقتراح صادم لشطب هويات الضحايا: تحقيق لـ«نيويورك تايمز» يكشف كيف حاول نظام الأسد محو عشرات آلاف المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب

 

كشف تحقيق موسّع نشرته نيويورك تايمز تفاصيل غير مسبوقة عن مساعي نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد لإخفاء جرائم التعذيب والقتل الجماعي بحق المعتقلين في السجون السرية، في محاولة منظمة لمحو آثار واحدة من أوسع منظومات القمع في العصر الحديث.

وبحسب التحقيق، عقد الأسد عام 2018 اجتماعاً مع كبار قادة الأجهزة الأمنية لمناقشة سبل التغطية على الجرائم، في ظل تصاعد التسريبات حول المقابر الجماعية والضغوط الدولية المتزايدة. وخلال الاجتماع، قدّم رئيس “فرع فلسطين” آنذاك كمال حسن اقتراحاً صادماً يقضي بشطب هويات السوريين والسوريات الذين قضوا تحت التعذيب من السجلات الرسمية، وكأنهم لم يوجدوا يوماً، وهو مقترح لقي قبولاً مبدئياً للنقاش من رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك.

تزوير السجلات واختلاق الاعترافات

يوضح التحقيق أنه بعد أشهر من الاجتماع، بدأت فروع الأمن بتزوير وثائق الوفيات، عبر حذف أرقام الفروع وأرقام المعتقلين، بما يمنع تتبع الجهة المسؤولة عن الاحتجاز أو القتل. كما صدرت أوامر عليا باختلاق اعترافات خطية للمعتقلين الذين قضوا في السجون، بهدف توفير غطاء “قانوني” يبرر قتلهم، على أن تُؤرّخ تلك الاعترافات بتاريخ سابق.

وحصلت الصحيفة على وثائق وشهادات من أكثر من 50 مسؤولاً أمنياً وسياسياً سابقاً، كشفت آليات دقيقة لتفريغ الجرائم من مضمونها القانوني، وتضليل الرأي العام، وإدارة ملف الأهالي المطالبين بمعرفة مصير أبنائهم.

أرشيف انقلب إلى عبء

في السنوات الأولى للثورة السورية، كانت الأجهزة الأمنية توثّق بدقة كل حالة اعتقال واستجواب ووفاة، بناءً على نصائح من الحلفاء الروس والتونسيين، باعتبار التوثيق وسيلة حماية قانونية. غير أن هذا الأرشيف تحوّل لاحقاً إلى عبء ثقيل، بعد تهريب آلاف الصور التي توثّق جثث المعتقلين على يد المصوّر العسكري المعروف باسم قيصر، وما تبع ذلك من تهديدات أميركية بعقوبات قاسية، وبدء محاكم أوروبية بملاحقة مسؤولي النظام.

ومع تحوّل موازين القوى عام 2018 لصالح النظام، ضغط الحلفاء الروس لإعادة تطبيع العلاقات الدولية، الأمر الذي أثار مخاوف داخلية من وصول محققين دوليين إلى سوريا والعثور على أدلة دامغة على الجرائم.

مسح الأدلة ونقل المقابر الجماعية

ضمن خطة ممنهجة، غيّرت بعض الفروع الأمنية – بينها “الفرع 248” و“فرع فلسطين” – أساليب توثيق وفيات المعتقلين، عبر إزالة أي معلومات تعريفية عن الجثث قبل نقلها إلى المشافي العسكرية. كما شُكّلت لجان خاصة لدراسة طرق تبرير الوفيات، وصولاً إلى تزوير بصمات الاعترافات باستخدام حبر خفيف وتصويرها ثم إتلاف النسخ الأصلية.

ويكشف التحقيق أن العميد مازن إسمندر، المشرف على عمليات الدفن، أمر بنقل جثث من مقبرة القطيفة بعد تسريب معلومات عنها، حيث جرى استخراجها بالحفارات، ونقلها في شاحنات قمامة إلى مقبرة جديدة في بادية الضمير شمال شرقي دمشق.

منظومة محو الذاكرة

تُظهر هذه الوقائع، وفق التحقيق، أن النظام لم يكتفِ بارتكاب الجرائم، بل عمل بشكل ممنهج على محو آثارها، في محاولة لإلغاء وجود أكثر من 100 ألف إنسان من السجلات، وإغلاق الطريق أمام أي مساءلة مستقبلية، في واحدة من أخطر عمليات طمس الأدلة في التاريخ الحديث لسوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.