مراجعة المساعدات الأمريكية في عهد ترامب: بين الإصلاح والمخاطر الاستراتيجية
في واحدة من أكثر الخطوات الجذرية التي اتخذتها إدارة ترامب، بدأ البيت الأبيض بعد أسابيع فقط من توليه السلطة في إعادة تشكيل سياسة المساعدات الخارجية الأمريكية. هذه التحولات، التي تضمنت تخفيضات واسعة في التمويل والموظفين، أثارت مخاوف بشأن تداعياتها على استقرار الشرق الأوسط، حيث تستثمر الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنويًا لتعزيز مصالحها الأمنية والاقتصادية.
إعادة هيكلة المساعدات: بين الضرورة والإرباك
أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بتجميد جميع المساعدات الخارجية لمدة 90 يومًا، في انتظار مراجعة شاملة لضمان توافقها مع السياسة الخارجية الجديدة. هذا القرار وضع برامج المساعدات تحت تهديد المراجعة أو الإلغاء، باستثناء بعض الحالات، مثل المساعدات العسكرية لإسرائيل ومصر والمساعدات الغذائية الطارئة.
غير أن الغموض أحاط بتحديد المساعدات الإنسانية “المنقذة للحياة”، مما جعل مسؤولي البرامج في حالة من عدم اليقين. ومع تخفيض الميزانيات، فقدت الإدارة الأمريكية أداة رئيسية في التأثير على قرارات دول مثل العراق، الأردن، ولبنان.
ميزانية المساعدات: توزيع جديد للمصالح؟
خلال السنة المالية 2022/2023، أنفقت الولايات المتحدة 11 مليار دولار على المساعدات العسكرية والاقتصادية للشرق الأوسط. وكانت المساعدات العسكرية، البالغة 5.5 مليار دولار، موجهة بشكل أساسي لإسرائيل ومصر، بالإضافة إلى دعم قوات العراق، الأردن، ولبنان. هذه المساعدات لا تعزز فقط الأمن الإقليمي ولكنها توفر أيضًا فرص عمل داخل الولايات المتحدة، مما يمنع الدول المستفيدة من اللجوء إلى روسيا أو الصين لشراء الأسلحة.
على الجانب الاقتصادي، بلغ إجمالي المساعدات 5.6 مليار دولار، وشملت برامج الصحة، الرعاية الاجتماعية، والتعليم، مع الأردن وسوريا واليمن في قائمة أكبر المستفيدين. ومع ذلك، فإن هذه البرامج أصبحت الآن هدفًا محتملاً للتخفيضات، مما قد يزعزع الاستقرار في الدول الحليفة للولايات المتحدة.
المساعدات العسكرية: حسابات السياسة والأمن
لبنان
لطالما كان دعم الولايات المتحدة للجيش اللبناني مثار جدل، خاصة مع تصاعد النفوذ الإيراني عبر “حزب الله”. ومع ذلك، فإن قطع المساعدات البالغة 130 مليون دولار قد يعرض الجيش اللبناني للانهيار، مما يهدد المصالح الأمريكية. لذا، قد يكون الاستمرار في الدعم خيارًا استراتيجيًا ضروريًا.
العراق وسوريا
تلقت بغداد 250 مليون دولار من المساعدات العسكرية في 2022/2023، لكن خفض هذا الدعم قد يعزز نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران. أما في سوريا، فإن إيقاف المساعدات قد يؤدي إلى فراغ أمني يزيد من تمدد الجماعات الإرهابية مثل داعش.
الضفة الغربية وغزة
يخضع الدعم الأمريكي للفلسطينيين لتدقيق مشدد، حيث يمنع قانون “تايلور فورس” تقديم مساعدات مباشرة للسلطة الفلسطينية طالما استمرت في دفع رواتب الأسرى وأسر “الشهداء”. ورغم ذلك، ترى إسرائيل أن استمرار دعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية يصب في مصلحتها، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذه المساعدات.
الأردن: حليف لا غنى عنه؟
يُعد الأردن شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في المنطقة، ويتلقى حوالي 1.3 مليار دولار سنويًا، بما في ذلك 780 مليون دولار لدعم الميزانية، وهو مستوى لا تحظى به أي دولة أخرى سوى أوكرانيا. إلا أن ترامب، الذي سبق أن أعرب عن استيائه من تكلفة المساعدات للأردن، قد يعيد النظر في استمرارها، مما قد يؤثر على استقرار المملكة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية واللاجئين.
إعادة تعريف الأولويات الأمريكية
تسعى إدارة ترامب إلى إعادة تقييم جدوى المساعدات الخارجية بناءً على معايير جديدة تركز على جعل أمريكا “أكثر أمنًا وازدهارًا”. لكن القرارات المرتبطة بهذه المراجعة تحمل مخاطر استراتيجية، إذ يمكن أن تؤدي التخفيضات العشوائية إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وخلق فراغات تملؤها قوى أخرى مثل الصين وروسيا.
ختامًا، يبدو أن الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ كبير يتمثل في الموازنة بين تقليص الإنفاق وضمان عدم الإضرار بمصالحها الحيوية في المنطقة، مما يجعل هذه المراجعة نقطة تحول في مستقبل العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط.