شهدت العلاقات بين أنقرة وأربيل خلال الساعات الماضية واحدًا من أسوأ فصول التوتر، بعد الأزمة التي فجّرتها زيارة الرئيس مسعود البارزاني إلى ولاية شرناق التركية، برفقة حراسة مسلّحة بزيّ البيشمركة، خلال حضوره الندوة الدولية الرابعة لـ“الملا جزيري”.
توتر مفاجئ… واحتجاج تركي رسمي
بحسب وكالة رويترز، أثارت المقاطع التي أظهرت عناصر الحماية المرافقة للبارزاني وهو يتجولون بأسلحة طويلة داخل الأراضي التركية غضبًا شديدًا في أنقرة، التي رأت في ذلك “إهانة” لسيادتها و”تقويضًا لقدرتها على حماية الضيوف الأجانب”.
زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، الحليف الرئيسي للرئيس رجب طيب أردوغان، شنّ هجومًا لاذعًا، واصفًا ما حدث بأنه “استعراض مرفوض”، ومعتبرًا وجود “جنود بزيّ أجنبي يحملون أسلحة طويلة” على الأراضي التركية “فضيحة لا يمكن السكوت عنها”.
ردّ أربيل: تصريحات بهجلي عنصرية وشوفينية
المكتب الإعلامي للرئيس مسعود البارزاني أصدر بيانًا حادًا، اعتبر فيه تصريحات بهجلي تعبيرًا عن “عقلية عنصرية وشوفينية”، مؤكدًا أن جميع الإجراءات الأمنية المتخذة كانت “متطابقة تمامًا مع بروتوكولات رسمية متفق عليها بين المؤسسات التركية والعراقية”.
وجاء في البيان أن أربيل كانت تعتقد أن “بهجلي قد تخلى عن الخطاب المتطرف”، لكنها فوجئت بأنه “ما زال الذئب الرمادي ذاته، وإن ارتدى جلد الخروف”.
أردوغان يدخل خط الأزمة
التصعيد لم يبقَ عند حدود قادة الأحزاب؛ إذ وصف الرئيس أردوغان بيان مكتب البارزاني بأنه “وقح” و”غير مقبول”، وأعلن أن الحكومة التركية طلبت توضيحات رسمية وتصحيحًا عاجلًا لما وصفه بـ“الخطأ الجسيم”.
تداعيات كردية أوسع… قسد تدخل المشهد
وفي تطور لافت، خرجت اليوم تصريحات لمسؤولين في إقليم كردستان — بينهم نيجيرفان البارزاني — جاء فيها:
“قسد لن تسلّم سلاحها قبل تطبيق اللامركزية.”
هذا التصريح فُسّر على نطاق واسع بأنه رسالة مباشرة لأنقرة، مفادها أن الضغط التركي لن يغير من موقف القوى الكردية في سوريا، وأن ملف السلاح مرتبط بالإصلاح السياسي وليس بضغط خارجي.
المجلس الوطني الكردي يرفع السقف
وفي السياق ذاته، صرّح رئيس المجلس الوطني الكردي:
“على الحكومة السورية أن تختار: اللامركزية… أو التقسيم.”
التصريح بدا وكأنه محاولة لتعزيز أوراق المفاوضة الكردية في مواجهة دمشق وأنقرة معًا، ولإيصال رسالة بأن أي مسار سياسي مقبل لن يكون ممكنًا دون إعادة تعريف شكل الحكم والإدارة.
خلاصة المشهد: أزمة تتوسع إقليميًا
الأزمة التي بدأت بصورة “بروتوكولية” أثناء زيارة ثقافية، تحولت خلال أيام قليلة إلى:
- مواجهة كلامية حادة بين البارزاني وأنقرة
- تدخل رئاسي تركي مباشر
- تصعيد كردي متزامن من قسد والمجلس الوطني
- إعادة فتح ملفات السيادة واللامركزية والسلاح
ومع اتساع دائرة التصريحات، بات واضحًا أن العلاقات بين أنقرة وأربيل تسير نحو أشد مراحلها حساسية، وأن التوتر الكردي–التركي من جهة، والكردي–السوري من جهة أخرى، يقترب من عتبة جديدة قد تعيد رسم خريطة التفاهمات في المنطقة بأكملها.
المشهد قابل للتصعيد، وربما لا يبتعد كثيرًا عن مواجهة سياسية مفتوحة ستنعكس على سوريا والعراق وتركيا في آن واحد.