عنترة بن شداد عزيز النفس عفيفها

 

يظن البعض أن عصر الجاهلية مجون وخمور وزنا وخنا لكن الحقيقة على عكس ذلك فهناك من مكارم الأخلاق الكثير ويظهر ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. فأهل الجاهلية عندهم مكارم أخلاق وكرم وعفة نستطيع توضيح ذلك من خلال فرسانها فهذا عنترة مثالاً لهم
فعنترة أبرز شعراء  المعلقات وأكثرهم تناولا في الإبداعات الأدبية والروائية لثراء شخصيته وسعة تجربته واحتوائها على الكثير من التفاصيل الإنسانية.
وبالإضافة إلى سماته النفسية والجمسية فهو من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفسا ويوصف بالحلم رغم قدرته وشدة بطشه وفي شعره رقة وعذوبة.
هذه السمات كانت مغرية ولثراء شخصية عنترة دخلت عليها الأخيلة والإضافات التي نقلته لقراء الآداب الغربية فترجمت قصته وحياتة الإبداعية والشخصية إلى الألمانية والفرنسية
ولعل المعاناة والظروف القاسية التي نشأ فيها عنترة وقوة شعره وإنسانيته وفروسيته الطاغية كانت وراء ذيوع صيته وشهرته عبر الأزمان فقد ولد عنترة لأب عربي وأم حبشية فجاء مختلفاً عن بقية أقرانه في ضخامة خلقته وعبوس وجهه وشَعره المفلفل، وطول قامته، وقد ذاق عنترة مرارة الحرمان وشظف العيش والمهانة لأن أباه لم يلحقه بنسبه في بادئ الأمر.
فقد ويصف عنترة أمه السوادء مفتخرا بها قائلا في قصيدة له:

وأَنا ابْنُ سوْداءِ الجبين كأَنَّها
ضَبُعٌ تَرعْرَع في رُسومِ المنْزل
الساق منها مثلُ ساق نعامة ٍ
والشَّعرُ منها مثْلُ حَبِّ الفُلْفُل
والثغر من تحتِ اللثام كأنه
برْقٌ تلأْلأْ في الظّلامَ المُسدَل
ثم أنه يذكر في لاميته: أنه وإن كان في عدد العبيد الذين قد يظن بعض قصار النظر أنهم بلا عاطفة أو رغبات فإنه يمتلك سموا وهمة ترفع إلى الثريا وهي نجوم السماء والسماك الأعزل هو نجم كبير يقارب القمر وهذه الصورة الجمالية كناية عن الارتفاع والسمو النفسي الذي لا يبلغه غير عنترة! فيقول:
واختَرْ لِنَفْسِكَ منْزلاً تعْلو به
أَو مُتْ كريماً تَحْتَ ظلِّ القَسْطَل
فالموتُ لا يُنْجيكَ منْ آفاتِهِ
حصنٌ ولو شيدتهُ بالجندل
موتُ الفتى في عزهِ خيرٌ له
منْ أنْ يبيتَ أسير طرفٍ أكحل
إنْ كُنْتُ في عددِ العبيدِ فَهمَّتي
فوق الثريا والسماكِ الأعزل
وكان عنترة عفا كريم النفس فكان إذا استبى إحدى الحرائر دفع اليها مهرها وتزوجها وأبى أن يسترقها كما يفعل غيره كما أنه لم يغتصب امرأة قسرا بل إنه ليتزوج المرأة برضا وليها وفي ذلك يقول:
ما اسْتَمْتُ أُنثى نفسَها في موْطنٍ       حتى أُوَفّي مَهرها مَوْلاها
وكان يحرص على غض بصره ولا ينظر إلى ما لا يحل له إن لم يكن ديانة باعتباره أحد رجال الجاهلية فمروءة وصيانة للنفس وتكريما لها يقول:
وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي

حتى يُواري جارتي مأْواها

إني امرؤٌ سَمْحُ الخليقة ِ ماجدٌ

لا أتبعُ النفسَ اللَّجوجَ هواها
كان عنترة بن شداد أحد الشعراء الذي أتاحت سيرتهم الشخصية والشعرية مجالا وسعا للمبدعين العرب على مر العصور باعتباره أحد رموز الفروسية الأخلاقية ولشدة تأثر الناس بشعره الذي يحض على الفضيلة ومكارم الأخلاق فإن البعض قال: إن الرسول  صلى الله عليه وسلم  ذكره وأثنى عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع وصف عربي أحببت أن أقابله أكثر من عنترة.
فهذه حياة كثير ممن عاش الجاهلية وما فيها من مكارم الأخلاق وكرم وشهامة وعفة وشجاعة وعزة نفس.

اعداد :مروان مجيد الشيخ عيسى

تحرير: أسامة العبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.