شغب المرأة التي حكمت دولة بني العباس

عندما نلخص بعضاً من صور العصر العباسي الحقيقة، يمكننا أن نقول إنه عصر الجواري بامتياز إذ كان أغلب خلفاء بني العباس أبناء جواري باستثناء ثلاثة فقط

فهناك جارية لعبت أدوارا عديدة وعلى عدة مستويات هي الجارية شغب أم المقتدر بالله العباسي التي حكمت الدولة العباسية ما يقرب من العقدين كما كانت وراء تعيين أول قاضية للقضاة في بغداد وأنشأت واحدا من أبرز البيمارستانات في التاريخ الإسلامي.

يروي المؤرخون أن الخليفة العباسي المعتضد بالله كان مولعا بالنساء لدرجة ذهبت بعض الروايات أن السبب في وفاته كان إفراطه في حياته الجنسية وقد امتلك المعتضد ما يزيد عن الأربعة آلاف جارية من كل الأقطار.

ذات يوم رأى المعتضد جارية نحيفة بجمال ملفت وعندما سأل عنها قيل له إنها ناعم جارية أم القاسم بنت محمد فأرسل المعتضد في طلب شرائها ولما أصبحت ناعم ملكه قضى معها فترة ثم انصرف إلى أخريات بينما اتخذت ناعم مكانها وسط مئات الجواري في جناح الحريم.

لم تحب ناعم هجر المعتضد لها فأخذت تتصنع المشاكل لدرجة مشاكسة الخليفة وزاد شغبها حين أنجبت ولدا للخليفة

وأثارت تصرفاتها غضب المعتضد فضربها وشتمها وحبسها في جناحها فأمرها أن تعتكف على تربية ابنها كما لقبها بشغب وهو اللقب الذي ستحمله طوال حياتها.

كان شغب ناعم لا ينتهي وسعيها لجعل المعتضد يعود إليها لا يكل فتجاوزت الشغب إلى تصفية غريماتها من الجواري اللواتي كانت ترى أنهن يرقن للخليفة إذ كانت تدبر من جناحها مؤامرات قتلهن بالسم وهي الوسيلة المفضلة في دهاليز حريم بني العباس فكان من ضحاياها قطر الندى بنت أحمد بن طولون.

ولما علمت شغب بهيام المعتضد بالجارية دريرة لدرجة سلبت لبه فأنشأ حمام سباحة خاصا لها قامت بتسريب الخبر للشاعر ابن بسام الذي عرف بهجوه ومجونه فكتب قصيدة أصبحت على لسان سكان بغداد  يسخرون فيها من الخليفة ورد فيها:

ترك الناس في حيرة وتخلى في البحيرة

قاعداً يضرب الطبل         على (…) دريرة

وعندما وصل الشعر إلى أسماع المعتضد خاف أن تتأثر صورته أمام الناس فقام بردم حمام السباحة لكنه ظل قريبا من دريرة فلم يبق أمام شغب حل إلا قتلها.

وشغب كانت أيضا مسؤولة عن قتل الجارية فتنة أم القاهر بالله والتي كان المعتضد قد انشغل بحبها ولما ولدت له ازداد تعلقا بها ولم يهجرها كما فعل مع شغب كما كان يفضل ابنه الرضيع على ابنها الذي لم يكن يهتم به بل هم بقتله عندما كان صبيا لأنه رآه يقتسم طعامه مع أطفال الخدم.

وكان هذا مما حرك مخاوف شغب وحقدها فقررت تصفية فتنة التي جزع المعتضد على وفاتها وكتب فيها شعرا، وأوكل إلى شغب تربية ابنه منها.

على إثر تناسل حوادث الوفاة في جناح الحريم اتجهت أصابع الاتهام صوب شغب فثار عليها المعتضد حتى أنه كاد أن يقطع أنفها ويشوه وجهها لكن في ظل غياب أي دليل ونظرا لكونها مسؤولة عن تربية ابنيه منها ومن فتنة اكتفى المعتضد بالزيادة من عزلة شغب.

وبعد أن تخلصت شغب من الجواري المنافسات لها اتجهت عيناها صوب كرسي الخلافة وأخذت تعد الخطة للوصول إليه.

وحينما تولى ابنها المقتدر بالله الخلافة كان لم يزل في عمر الثالثة عشرة فتمكنت شغب من فرض سيطرتها على أمور الخلافة بعد أن وصل ابنها إلى منصب الخلافة بالاتفاق مع القادة الأتراك الذين كانوا يريدون خليفة ضعيفًا كي يتمكنوا من السيطرة على كافة الأمور.

ولم تقتصر نشاطات السيدة شغب على جانب واحد فقط بل دخلت في كافة الأمور السياسية والاجتماعية لتصبح السيدة الأولى في الدولة العباسية خلال فترة خلافة ابنها المقتدر بالله.

وفتحت شغب لعائلتها باب النفوذ فشكل بعض أفرادها مراكز قوى سياسية في الدولة. فكانت خاطف، أخت شغب، تتدخل أيضًا في تعيين الوزراء كما كان أخوها غريب أحد قادة الدولة العباسية في عهد المقتدر بالله وكان هارون ابنه أحد المتحكمين في ترشيح الوزراء وتنصيب العمال.

واهتمت السيدة شغب بالمشاريع الاقتصادية والعمرانية كما كانت حريصة على جمع الثروة وقيل إن إيراد ضياعها بلغ مليون دينار في السنة  وبلغت من الثراء ما جعلها تقدم للدولة ٥٠٠ ألف دينار في عام ٣١٥هـ مساعدة لصد جيوش القرامطة عن الكوفة

فقد حدث خلاف بين الخليفة المقتدر وحاجبه مؤنس الخادم فهرب الخادم إلى الموصل وملكها وجمع الجنود وعاد ليقاتل الخليفة المقتدر في عام ٣١٩هـ، وقتل الخليفة في المعركة وصلبت جثته وتولى القاهر بالله الخلافة.

قبض القاهر بالله على السيدة شغب وصادر أموالها وأنزل بها أشد أنواع الأذى كي تفصح عن كل أملاكها وتحل جميع أوقافها ولكنها أبت أن تحلها كما ذكرنا سابقًا، فقد كانت أوقافًا لمكة والمدينة والضعفاء ولكن القاهر قد أحلها جميعها.

وبعد أن تدهورت صحة السيدة شغب نقلها الحاجب علي بن يليق إلى داره بجوار والدته وأكرم نزلها حتى ماتت في عام ٣٢٠هـ بعد أن اشتد عليها تأثير ضرب وتعذيب القاهر ودفنت في مقبرتها بالرصافة فانتهت حياة امرأة عملت المستحيلات من قتل ومؤامرات لكي تصل إلى قيادة الدولة العباسية.

 

إعداد: مروان مجيد الشيخ عيسى

تحرير: أسامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.