تعرف على الجانب المشرق من أفغانستان

أن أول ما يخطر في بالك عند سماع اسم افغانستان، هي الصورة الدموية والتخلف والتشدد الديني الذي وصلنا من الإعلام ولكنها ليست كما عرفناها بأنها مدينة الحروب والفقر والخوف.

إن أفغانستان هي دولة الثروات المعدنية ومناجم الذهب وتمتلك احتياطي من البيليريوم يقدر ب٨٨ مليار دولار بالإضافة الى الزمرد والياقوت.

كما إنها كانت مهد الحضارات والثقافات والآداب بالإضافة الى التلفزيون والسينما والموسيقى والغناء.

إن الحديث عن أن أفغانستان دولة فقيرة حديث يفتقد للموضوعية ويعادي الحقيقية رغم أن الصورة المصدّرة للعالم هي أن هناك قرابة 90% من الشعب الأفغاني يعيشُ على أقل من 2 دولار يوميًّا، وتعتمدُ بشكل أساسي على المساعدات الخارجية.

ولكن في الجانب الآخر من تلك الصورة، نرى أن أفغانستان تعدّ من أغنى بلدان العالم في ثرواتها المعدنية، إن لم تكن الأغنى على الإطلاق، حيث تشير التقديرات الخاصة بوزارة المناجم الأفغانية إلى أن قيمة الثروة المعدنية التي تحتضنها البلاد تحت ترابها تقدَّر بنحو تريليون دولار، وهناك تقديرات تذهب إلى أن القيمة تصلُ إلى 3 تريليونات دولار.

ومن أكثر المعادن النفيسة التي تتميّز بها أفغانستان هي الليثيوم، ذلك الكنز الاستراتيجي المتوقّع له أن ينافس الذهب في قيمته، كونه أحد أبرز المكوّنات الأساسية لإنتاج الطاقة مستقبلًا، فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب العالمي على هذا المعدن 40 ضعفًا فوق مستويات عام 2020 بحلول عام 2040.

الكنز الاستراتيجي للبلاد لا يتوقف عند الليثيوم فقط، فالتربة الأفغانية وجذور الجبال الضاربة في عمق الأرض تحتوي على العديد من المعادن الأخرى، مثل البوكسيت والنحاس والحديد، فيما تذهب التقديرات إلى أن أفغانستان تمتلكُ ثروات من الأتربة النادرة تقدَّر بنحو 1.4 مليون طن، هذا بجانب امتلاكها 5 مناجم للذهب و400 نوع من الرخام واحتياطيات من البيريليوم تقدَّر بقيمة 88 مليار دولار، فضلًا عن تميُّزها بالأحجار الكريمة النفيسة، مثل اللازورد والزمرد والياقوت والتورمالين.

لم تكن أفغانستان تلك الدولة المحصورة بين الجبال والهضاب والصحاري الشاسعة والتربة القاحلة كما يتصوّر البعض، إذ تتمتّع بموقع سياحي مميز، رسمَ منها لوحةً فنية رائعة، وجعلها قِبلة للكثير من سائحي العالم، رغم التوتر الأمني والسياسي الذي تعاني منه منذ سنوات طويلة.

وتعدّ فترة السبعينيات تحديدًا العصر الذهبي للدولة الأفغانية سياحيًّا، حينما كانت نقطة جذب سياحي بين أوروبا وجنوب آسيا، لكن سرعان ما تأثّر الوضع بصورة كبيرة منذ الغزو السوفيتي عام 1979، إذ لم تنعم البلاد بمرحلة سلام حقيقية منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.

وتعدّ أفغانستان قبلة للحضارات المختلفة، أبرزها حضارة وادي السند (3300-1300 قبل الميلاد) التي تمتدّ جغرافيًّا من شمال غرب باكستان إلى شمال غرب الهند وشمال شرق أفغانستان، حيث عُثرَ على آثار تلك الحضارة على نهر أوكسوس في شمال أفغانستان.

وتعدّ مدينة باميان الواقعة في وسط البلاد، ملتقى ثقافات العالم المختلفة.

كذلك هناك “المتحف الوطني”، أحد أبرز الكيانات الأثرية في آسيا الوسطى، يعود إلى آلاف السنين، ويضمّ بين جنباته أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، لكنها تعرّضت للنهب خلال الحرب الأهلية عام 1992، إلا أن جهود اليونسكو وبعض المنظّمات الثقافية العالمية نجحت في استعادة قرابة 8000 قطعة خلال السنوات الماضية.

المدن الرئيسية الأفغانية هي الأخرى تعدّ حضارات متنقّلة، فالعاصمة كابل على سبيل المثال تعود نشأتها لأكثر من 3500 عام، وتضمّ العديد من المواقع الجاذبة للسياحة مثل مسجد عبد الرحمن وحدائق بابور، بجانب المتحف الوطني والمتنزّه التاريخي.

كذلك الوضع في مدينة بلخ (شمال) المعروفة باسم “أم المدن”، كونها واحدة من أقدم مدن العالم، وتقع على مفترق طُرُق بين شرق آسيا والشرق الأوسط، هذا بجانب قندهار، تلك المدينة التي أسّسها الإسكندر الأكبر عام 329 قبل الميلاد، وهي واحدة من أقدم المجتمعات البشرية المعروفة، ذات ثراء ثقافي غير مسبوق.

وتعدّ مدينة باميان الواقعة في وسط البلاد، ملتقى ثقافات العالم المختلفة، حيث اكتشف علماء الآثار أنها مزيج من التأثير التركي واليوناني والفارسي والهندي والصيني، وقد اشتهرت بتماثيل بوذا العملاقة التي تمّ تدميرها عام 2001، وأخيرًا مدينة جلال آباد (شرق) عروس أفغانستان الخضراء التي تعانق المياه والأشجار من كل جانب، وفيها الكثير من فنون العمارة الحديثة.

الحياة الثقافية الأفغانية ليست بالسواد الحالك الذي يعتقده البعض، فالشارع الأفغاني حضور أدبي وثقافي مميَّز بين الأوساط الثقافية الآسيوية، بل تفوّقَ عليها في كثير من المراحل بفضل الترجمة التي يجيدها المثقّفون الأفغان جيدًا، ما نقلهم إلى مناطق رحبة وارفة الظلال.

الصورة الذهنية المشوَّهة عن أفغانستان كدولة إرهـ.ـاب وتطرف، أثّرت بشكل كبير على تهميش الأدب والثقافة في هذا البلد، وجعلت من الحديث عن حضور أدبي لأبناء هذا البلد نكتة ساخرة لا ترقى لأسماع العامة، فضلًا عن المهتمّين بالشأن الثقافي.

وهنا يشير الأديب المغربي، عثمان بوطسان، إلى أن الأدب الأفغاني ثري في مضمونه، هادف في رسالته، قوي في صياغاته، له دور وطني هام جدًّا في سياقاته الزمنية والسياسية، منوِّهًا أنه في بدايته، كان أدب مقاومة، شأنه شأن الأدب العربي فترة الاستعمار، لكنه مع الوقت تحول إلى أدب اجتماعي يدافعُ عن القضايا الاجتماعية والفكرية للمجتمع الأفغاني.

ويضيف بوطسان في حوار له أن “الأدب الأفغاني لا يقلّ مكانةً عن الآداب العالمية، بل يتميّز عنها بطابعه الشعري التصوفي”، لافتًا إلى أن التطورات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، جعلتها “أدبًا عالميًّا منسوجًا من المعاناة اليومية ودم الحرب المستمرة والتعصُّب الديني والعرقي الأعمى”.

رغم الأزمات التي مرَّ بها الأدب الأفغاني طيلة العقود الثلاثة الماضية، إلا أنه يبقى في كل تجلياته أدبًا راقيًا من حيث اللغة والصياغة ومحاور تناوله لأزمة المواطن الفرد.

الكثير من الناس لم يسمعوا من قبل عن السينما الأفغانية، تلك السينما التي أثرَتِ الفن السابع عالميًّا خلال فترة السبعينيات، فبينما تكتفي الكاميرات بصور الرشاشات وأصوات الرصاص ومشاهد الدماء المتناثرة، هناك كادر آخر يُعرَض داخل دور العرض السينمائية يكشف جزءًا مفقودًا من الصورة.

خلال عام 2019 أقامت منظمة الفيلم الأفغاني، التي تأسّست عام 1968، مهرجانًا سينمائيًّا استعرضت فيه قرابة 100 فليم سينمائي أفغاني، معظمها عن الحب والصداقة والأزمات الاجتماعية، ومن أشهرها “الرجال يفون بوعودهم”، حيث كانت تُعرَض تلك الأعمال باللغة البشتوية القومية بجانب الفارسية.

أما خلال فترة الاستعمار السوفيتي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، فكانت معظم الأفلام المنتَجة تدور في إطار دعائي بحت، حيث الترويج للأفكار الروسية والأجندة السوفيتية في المنطقة في ذلك الوقت، ومع قدوم حركة طالبان نهاية الألفية الماضية تعرّضت السينما لهزّةٍ نسبية، فيما عادت لرواجها بعد ذلك.

وتزخر المكتبة السينمائية الأفغانية بعشرات الأفلام العالمية التي حصدت الكثير من الجوائز، في المقدمة منها فيلم “رسالة إلى الرئيس” الذي أنتجته وأخرجته رؤيا سادات، والذي تمّ ترشيحه لجوائز دولية، ومنها جائزة غولدن غلوب في مختلف الفئات.

ويواجه العاملون في مجال السينما بصفة خاصة والفن عمومًا عدة أزمات تعرقل عملهم، منها الحرب المشتعلة في البلاد طيلة العقدَين الماضيَين، بجانب الأعراف والتقاليد المتجذِّرة في المجتمع الأفغاني، هذا بخلاف الوضع الاقتصادي الصعب الذي ينعكس بصورة أو أخرى على حركة الإنتاج الفني في البلاد.

تحتلُّ الموسيقى لا سيما التراثية منها مكانة كبيرة لدى الشارع الأفغاني، حيث تنتشر الفِرَق الغنائية والمطربون من الرجال والنساء على حد سواء، فيما تكثر المسابقات الفنية بين الشباب في مشهد يوحي للمستمع أنه في بلاد أخرى، غير تلك البلاد التي يفوح منها رائحة البارود.

ففي قلب العاصمة كابل، تصدح مجموعة من الفتيات، أعضاء فرقة “بزم وحدت”، بأصواتهنّ العذبة، لإحياء موسيقى خراسان الشعبية التي تعود للقرن الـ 13 ميلادي، وتحيي قِيَم السلام والتعاون والإخاء، فيما تجدُ صدى كبيرًا لدى الشارع والمجتمع في تحدٍّ صارخ للتابوهات التاريخية.

في الوقت الذي يصفُ البعض هذا البرنامج بتلك الشهرة الكبيرة، بأنه أحد أدوات القوى الناعمة الأميركية للتوغُّل داخل المجتمع الأفغاني، يراه آخرون أحد أسلحة المقاومة المؤثِّرة في مواجهة الاستعمار الأجنبي.

الفنانة، أرمغان رؤوفي، قائدة الفرقة، تأمل في تنظيم حفلات متنوِّعة تظهر من خلالها جمال موسيقى منطقة خراسان، تلك المنطقة التي تقع اليوم بين أفغانستان وتركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وإيران، لافتة في تصريحاتها لوكالة “الأناضول” أن تلك الموسيقى “نالت قدرًا كبيرًا من الشهرة خلال القرن الـ 13 ميلادي، وإنها الآن معروفة لعدد قليل جدًّا من الناس في أفغانستان”.

ومن أشهر الفنانين الأفغان أريانا سعيد، الفائزة بجائزة الأيقونة الأفغانية، والحاصلة كذلك على لقب أفضل فنانة أفغانية لعام 2017، هذا بخلاف حصولها على لقب “صوت أفغانستان” من شبكة راديو وتلفيزيون أفغانستان الوطني، كما حازت على جوائز أفضل أغنية وأفضل فيديو وجائزة الشجاعة لعام 2017.

وهكذا تبدو الصورة الواصفة للمشهد الأفغاني متعدِّدة الجوانب، فليست الأجواء كلها حالكة السواد، كما أنها ليست بالبياض الناصع، غير أن تسليط الضوء على جانب من الصورة على حساب الآخر، يقدم تصوراً خاطئاً وغير موضوعي عن هذا البلد الذي يمتلك مقومات النجاح والتطور والنهوض، وإن كان ينقصه الإدارة والإرادة.

 

إعداد: نالين عجو

تحرير: أسامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.