العلاقات السعودية-الروسية تقاطع مصالح عابر أم تحول استراتيجي؟

دولي – فريق التحرير 

كان الاتحاد السوفيتي السابق أول دولة تعترف بالحكم السعودي بعد أن استولى الملك عبد العزيز بن سعود على الحجاز وعندما دخلت قواته إلى مدينة جدة عام 1926 كانت هناك قنصيلة سوفيتية تعمل في المدينة،وقد نقل القنصل اعتراف بلاده بالحكم الجديد.

لكن العلاقات الروسية السعودية لم تتطور كثيرا خلال العقد التالي إذ كانت بريطانيا صاحبة النفوذ القوي في الشرق الأوسط بما في ذلك السعودية، وكانت حريصة جداً على إبعاد السوفييت عن المنطقة بحجة منع انتشار الأفكار الشيوعية فيها، مما أدى في عام 1938 إلى قطع العلاقات بين الجانبين مع بروز نذر الحرب العالمية الثانية.

وبعد اكتشاف كميات هائلة من النفط في السعودية من قبل الشركات الأمريكية، تعززت مكانة المملكة من الناحية الجيوسياسية، وباتت الولايات المتحدة أهم الشركاء التجاريين والاقتصاديين لها.

خلال مرحلة الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية، كانت السعودية تخشى “المد الشيوعي” في المنطقة وكانت تقف في صف المعسكر الغربي في مواجهة المعسكر الشيوعي.

وقد مثل الدعم السوفيتي المتزايد لأنظمة الحكم اليسارية في المنطقة، مثل اليمن الجنوبي، ومصر خلال المرحلة الناصرية، ونظام حكم مانغيستو هيلا مريام في إثيوبيا، وكذلك دعم موسكو للحركات والأحزاب اليسارية في المنطقة، مصدر قلق كبير للسعودية ذات التوجهات الدينية المحافظة والموالية للغرب حينذاك.

وشكل الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، نقطة تحول في علاقات البلدين حيث لعبت السعودية درواً بارزاً في “الجهاد الأفغاني” ضد القوات السوفيتة. توافد آلاف الجهاديين العرب وبينهم العديد من السعوديين إلى باكستان لينتقلوا منها إلى أفغانستان المجاورة، لخوض القتال ضد القوات الروسية التي أُجبرت في نهاية المطاف على الانسحاب الذليل من هذا البلد بعد عقد من الزمن، متكبدة خسائر هائلة في الأفراد والعتاد.

أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1990 في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تشهد تطورا أو تحسنا ملحوظاً خلال أكثر من ربع قرن رغم تبادل الزيارات على مستوى عال بين البلدين.

في عام 2015 التقى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بالزعيم الروسي، فلاديمير بوتين، على هامش منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي، وكان اللقاء بمثابة نقطة تحول في علاقات البلدين.

فقد فتح البلدان صفحة جديدة في علاقاتهما شملت العديد من الملفات، وتم توقيع عدد من الاتفاقيات شملت مجالات مختلفة مثل الطاقة النووية، وخاصة بعد إعلان السعودية عن نيتها بناء ١٦ مفاعلا نوويّا للأغراض السلمية ومصادر الطاقة والمياه، وتفعيل اللجنة المشتركة للتعاون العسكري والتعاون في مجال الفضاء، إضافة إلى اتفاقيات تعاون في مجال الإسكان والطاقة والفرص الاستثمارية.

في عام 2017 زار الملك سلمان بن عبد العزيز روسيا وكانت الزيارة هي الأولى لملك سعودي إلى روسيا. وتمخضت الزيارة عن توقيع اتفاقيات تعاون بين الطرفين، أهمها اتفاقية لتصنيع بعض الأسلحة الروسية في السعودية.

وأبرمت السعودية العام الماضي اتفاقا عسكريا مع روسيا يهدف إلى تطوير مجالات التعاون العسكري المشترك بين البلدين، بحسب ما أعلن عنه نائب وزير الدفاع السعودي الأمير، خالد بن سلمان، على هامش معرض المنتدى العسكري التقني الدولي “آرمي 2021”.

لا شك أن توسيع التعاون في المجال العسكري بين البلدين يثير المزيد من الأسئلة عن طبيعة التوجه السعودي في هذا المجال، إذ اعتمدت المملكة على السلاح الغربي منذ أن أبصرت النور، وعلى رأسها السلاح الأمريكي الذي يشكل 79 في المئة من المشتريات السعودية العسكرية، حسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهي تمثل بدورها نحو 24 في المئة من صادرات السلاح الأمريكية.

كما أدى التعاون بين موسكو والرياض إلى إقامة ما يعرف بمنظمة أوبك بلاس، اذ اتفق البلدان على خفض إنتاج النفط في عام 2016، بعد انخفاض أسعاره، وهذا الملف هو أكبر مجالات التعاون المشترك بين البلدين.

وترى السعودية أن تعاون روسيا ضروري لتحقيق الاستقرار في سوق الطاقة بحسب ما أكد عليه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2019.

وقد أثمر هذا التعاون وأدى إلى رفع سعر النفط وزادت أهمية التنسيق بن الجانبين في هذا المجال بعد اضطراب سوق الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، بعد فرض الدول الغربية عقوبات واسعة على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا.

وحاولت الدول الغربية تعويض النقص في إمدادات النفط الروسية إلى القارة الأوروبية بسبب قرار الاتحاد الأوروبي تقييد مشترياتها من النفط الروسي، عبر الطلب من السعودية زيادة الإنتاج، وهو ما تعاملت معه الرياض بطريقة براغماتية وعملية.

الانفتاح السعودي على روسيا لم يكن وليد اللحظة، بل مر بمراحل متعددة وكانت البداية مع وصول الرئيس الأمريكي باراك اوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، حيث أعادت الولايات المتحدة صياغة أولوياتها في المنطقة، وكان من بين التوجهات الجديدة إنهاء مرحلة الحروب الأمريكية الطويلة في الخارج، وتفادي التورط في النزاعات والحروب الخارجية، فكان الانسحاب الأمريكي من العراق، مما مهد السبيل أمام إيران لتعزيز نفوذها في العراق وباتت صاحبة الكلمة الفصل في حكم ذلك البلد.

ترافق ذلك مع المفاوضات التي دخلتها مجموعة خمسة زائد واحد مع إيران بخصوص البرنامج النووي الإيراني، وانتهى بالتوصل إلى إبرام اتفاق بين هذه المجموعة وإيران عام 2015، حيث تم رفع العقوبات عن طهران مقابل وضع الأنشطة النووية الإيرانية تحت الرقابة الدولية.

ترى السعودية في إيران الساعية إلى تكريس نفوذها وحضورها الإقليمي، خصمها التقليدي، وحسب رأي السعودية أدى الاتفاق إلى إطلاق يد إيران لزيادة أنشطتها وتعزيز نفوذها بعد أن استردت عشرات مليارات الدولارات من الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج. وانتقدت السعودية والدول الخليجية الأخرى وإسرائيل الاتفاق لأنه تجاهل أنشطة إيران المثيرة للقلاقل والفوضى في المنطقة عبر دعم قوى سياسية وعسكرية تدور في فلكها، ورأت أن واشنطن أطلقت يد طهران لتزيد من أنشطتها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق.

وهكذا جاءت خطوة الانفتاح على روسيا بعد أن شعرت السعودية أن الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها بشكل تام لضمان أمنها، وأنها شريك لا يعتمد عليه دائماً، حيث رأت أن التدخل الروسي العسكري في سوريا لحماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد من السقوط مثال على التحالف الاستراتيجي، وأن روسيا باتت صاحبة وزن ودور أكبر في المنطقة وأن من مصلحتها تعزيز التعاون معها بدلاً من وضع كل بيضها في سلة واشنطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.